الجمعة، 26 يونيو 2026

الدستور ليس هو الحل

 الحديث عن الدستورهو الشغل الشاغل للجميع هذه الأيام ،الكل متحفز يدافع عن الدستور ويدعو للتصويت بنعم بدعوى أن نعم للدستور هي نعم لثورة يونيو أو لثورتي يناير ويونيو ،أو أن نعم للدستور هي لا للارهاب الى آخر المبررات التي تروج للدستور.

ويحاول آخرون أن يكونوا أكثر موضوعية فيناقشون مواد الدستور لشرح أو تبرير "نعم"،ويبدي البعض اعتراضهم على بعض المواد لكنهم في النهاية ينتصرون لنعم ويرجئون اعتراضهم لاشعار آخر.
وهناك بالطبع من يدعو للرفض لعدم اقتناعه ،أو المقاطعة لمنع الشرعية عن ثورة يونيو وكل ماترتب عليها من نتائج.
المهم أن الجميع – مؤيد ومعارض- يرى أن هناك معركة ستحسم وفقا لنتيجة الدستور.
والغريب أن معارك الدستور وغزوات الصناديق لم تنته منذ تنحي مبارك (أو خلعه)،رغم أن خروج الجماهير كان ضد ظلم نظام مبارك وفساده ولم يكن ضد دستوره الذي كان الاستفتاء على تعديله أمر شديد الغرابة بعد سقوط النظام ،وكانت غزوة الصناديق الأولى التي أعلن المجلس العسكري وقتها أن نتيجة الاستفتاء بنعم تعني أن الشعب قال "نعم" للمجلس العسكري (ما أشبه الليلة بالبارحه)
ثم جاء الدستور المشوه في 2012 الذي لم تكتب له ولا لنظامه الحياة ،ويأتي حكم ثورة يونيو بتعديله –وليس اسقاطه- لندخل معركة أخرى حول نعم أو لا للتعديلات.
فهل كان خروج الجماهير على نظام مبارك رفضا لدستوره؟وهل كان عزل مرسي وجماعته من أجل دستورهم؟
لاتوجد دساتير فاسدة ولكن توجد حكومات فاسدة ،ليس هناك دستور ينص على الاستبداد ،لكن يوجد حكم مستبد ،أعظم الدول الديمقراطية ليس لديها دستور مكتوب لكن لديها من التقاليد والممارسات مايعلو فوق الدساتير.
فالدستور لايصنع دولة عادلة ولا حكما رشيدا ،انما الارادة السياسية والرقابة الجماهيرية هي من تفعل ذلك ،وليس هناك شك في أن اعظم النصوص يمكن اساءة استخدامها وتحويل أهدافها ،وليس أدل على ذلك مما فعله المبطلون من اساءة تفسير واستخدام نصوص القرآن الكريم لتبرير جرائمهم .
التحدي ليس لاقرار نص أو تبديله بآخر ،انما لاقرار حقوق الشعب التي لا تمنح بنص دستوري ،لكنه يكتسبها بوعيه في مواجهة كل من يحاول سلبه اياها تحت أي مسمى سواء ديني أو وطني
التحدي هو أن تكون مصلحة الجماهير هي هدف أي نظام (لايهم وصفه أو تسميته)
أن يمنع الظلم ويخضع الجميع لقانون واحد (أيا كان)
وليدرك أي نظام يأتي أن استمراره ليس مرهونا بتوافقه مع الدستور لكن بقدرته على استيعاب بركان الغضب الجماهيري .
نشر بموقع الحوار المتمدن 6 يناير 2014

الحوار وحرية الإعلام..حتى يصبح للحوار صوتًا

 منذ أكثر من عام تمت الدعوة لحوار وطني يهدف لإصلاح سياسي، تشارك فيه كل القوى وتمت دعوة السياسيين من مختلف الأحزاب والتوجهات السياسية وكذلك الشخصيات العامة وجمعيات المجتمع المدني وعلى مدار العام أعد المشاركون رؤيتهم فيما يتعلق بالقضايا الأساسية - كل من وجهة نظره- ومع بدء الحوار يترقب الجميع ما ستسفر عنه هذه الرؤى.

يرى البعض أن الحوار قد يكون خطوة على طريق التحول الديمقراطي في مصر ويرى آخرون أنه قد يؤدي لإيجاد حلول لكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بينما هناك من يرى أنه لن يؤدي سوى لإضاعة الوقت والإلهاء عن الأزمات الحقيقية التي نمر بها .

لن أستطيع في هذه اللحظة أن أنحاز بشكل كامل لأي من هذه الآراء فكلها أو بعضها يحتمل الصدق لكن ما يهمني في هذا المجال هو الاختبار الحقيقي الذي سيتعرض له الإعلام المصري خلال فترة انعقاد جلسات الحوار الوطني.

لا أقصد هنا القضايا المرتبطة بالإعلام التي سيجرى النقاش حولها سواء فيما يتعلق بالحريات العامة التي تندرج تحت المحور السياسي أو الثقافة والهوية الوطنية التي تندرج تحت المحور المجتمعي.

ما أعنيه هو أن الإعلام شريك أساسي في عملية الحوار، يعبر عن قضاياه ويعبر عن كل القضايا محور النقاش، يعرض الرؤى جميعها دون تعتيم أو انحياز.

فهل يستطيع إعلامنا القيام بهذا الدور؟

هل يمكنه نقل الجلسات والمناقشات ومتابعتها وعرض وجهات النظر المختلفة واستضافة المشاركين من كل التوجهات دون شروط مسبقة؟

هل تتاح جميع المواقع المحجوبة ليرى المواطن الصورة من كل الزوايا ثم يختار انحيازاته التي تتفق مع رؤيته وقناعته؟

هذا هو الاختبار الحقيقي، ليس للإعلام فقط ولكن لعملية الحوار بأكملها.

إذا استمر الحال في فرض الوصاية على المعلومات والأفكار بدعوى حماية النظام السياسي والنسق المجتمعي فلا داعي للحوار.

إذا استمر حظر المواقع لحماية المجتمع من الأفكار غير المرغوب فيها فلا داعي للحوار.

دعونا ننظر نظرة محايدة للإعلام المصري اليوم لنعرف أثر حرية التعبير على الاعلام:

  • هل الجمهور يثق في الاعلام؟
  • هل هناك إعلاميين مؤثرين في الرأي العام؟
  • من يتصدر المشهد الاعلامي وماتأثيره على المواطن؟
  • هل حجب المواقع منع الجمهور من الوصول لها ؟

لو أجبنا بصدق على هذه الأسئلة سنستطيع تحديد أسباب المشكلة التي نشعر بها جميعا، الإعلام متهم في نظر الجميع، لأنه في الحقيقة فقد القدرة على أداء وظيفته، فوظائف الاعلام : الإخبار، التعبير عن الآراء المختلفة، التعليم، التوجيه، التثقيف، كلها تحتاج لحرية الوصول للمعلومة ونقلها وإبداء الرأي فيها؟

كيف يقوم الاعلام بوظيفته في الإخبار وهو ممنوع من الوصول للمعلومة ومقيد في نقلها؟

كيف يعبر الاعلام عن الآراء المتنوعة مع فرض رأي واحد عليه؟ كيف يستطيع توصيل رسالة وهو مكمم؟

فقد الاعلام وظيفته فقام بها الجمهور وصار الاعلام تابعًا بدلا من أن يكون قائدًا

وحتى يستطيع الإعلام أن يؤدي دوره لابد من:

1-  عدم خضوع وسائل الإعلام لرقابة سابقة من جانب السلطة حتى في الظروف الاستثنائية كحالات الحرب والطوارئ إلا أضيق الحدود.

2-  تقييد - قدر الإمكان - مجال تدخل المشرع لإصدار تشريعات تجرم ما لا يستلزم صالح المجتمع تجريمه،

3- حق الأفراد والجماعات في إصدار الصحف دون اعتراض السلطة.

4- حرية وسائل الإعلام في استقاء الأنباء ونقلها وحرية الرجوع إلى مصادر المعلومات.

5- حرية التعبير عن الآراء وحق الجمهور في المعرفة.

نشر بموقع الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مايو 2023


حين نحاسب الضحية ونتسامح مع الجلاد


في مجتمعنا، جملة: “حسابه عند ربنا”. تُقال عندما يُذكر ظالم، أو يُطرح نموذج فجّ لإساءة واضحة. تُقال كأنها نهاية الحديث، أو كأنها إغلاق لباب المساءلة، لا فتح له. ومع تكرارها، تحوّلت هذه الجملة من تعبير عن التسامح، إلى ملاذ مريح للهروب من مسؤولية المواجهة.
لكن ما يلفت النظر حقًا، هو هذا التناقض الصارخ في استخدام الجملة نفسها.
فبينما نُسارع إلى إعفاء الظالم من أي حساب دنيوي، بدعوى أن حسابه مؤجل عند الله، نجدنا -في المقابل- نمارس أقسى أنواع المحاكمة تجاه شخص أنهى حياته. فجأة، نصبح قضاة، ونصدرالأحكام، ونُحلّل الدوافع، بل ونتعامل مع الأمر وكأنه جريمة مكتملة الأركان تستحق الإدانة العلنية.

نحن، ببساطة، نميل إلى التساهل مع من يملك القوة، ونقسو على من هزمه ضعفه.
نمنح الأول حصانة، ونجرّد الثاني حتى من حقه في الصمت.
نسرع بإدانة الشخص الذي أنهى حياته، دون أن نسأل: لماذا ومتى وكيف أعلن هزيمته أمام إرادة الحياة، وقرر التفريط في أعز ما يملك: نفسه.
وراء هذه النهاية، طبقات من الألم غير المرئي، محاولات صامتة للتماسك، وربما استغاثات لم تجد من يسمعها. ومع ذلك، نتجاوز كل هذا، ونختزل الحكاية في حكم قاطع، يصدر غالبًا بلا معرفة، وبلا رحمة.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ، هو:
ما الذي دفع إنسانًا إلى هذا القدر من اليأس؟
وأين كنا نحن:كأفراد ومجتمع من تلك الرحلة؟

إذا كان هناك من يستحق المساءلة، فهم الأحياء.

ليس فقط من مارسوا قسوة مباشرة، بل أيضًا من ساهموا بصمتهم، بتجاهلهم، أو بعجزهم عن مد يد العون في الوقت المناسب. فاليأس لا يتكوّن في لحظة، بل هو حصيلة تراكمات: كلمة جارحة، ضغط مستمر، شعور بالعجز، أو بيئة لا تمنح الإنسان مساحة للنجاة.
المفارقة المؤلمة أن من نُحاكمه بعد رحيله، لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، بينما من نُعفيهم وهم أحياء، لا يزالون يملكون القدرة على الفعل، والتأثير، وربما التكرار.
ليست الدعوة هنا إلى تبرير الانتحار، ولا إلى تجاهل خطورته،
بل إلى إعادة ترتيب بديهيات العدالة والرحمة داخلنا.
أن نتوقف عن إصدار الأحكام على من انتهت حكايتهم،
وأن نبدأ، بدلًا من ذلك، في مساءلة من ساهم في نهايتها.
ربما لن نصل دائمًا للإجابات الكاملة، لكن أقل ما يمكن أن نملكه هو قدر من التواضع الإنساني، ومحاولة التعرف على الحقيقة والقدرة على الصمت حين نفشل في أن نعرف،
ورغبة حقيقية في أن نكون أقل قسوة… وأكثر انتباهًا.
رحم الله أمواتنا جميعًا.

نشر بموقع آخر الكلام مايو 2026

 

هل نعود إلى عصر ما قبل السياسة؟

في كل مرة أتابع فيها تطورًا جديدًا في المنطقة أو في العالم، يزداد اقتناعي بأننا لا نعيش فقط أزمة في العلاقات الدولية، بل أزمة في مفهوم وقواعد السياسة نفسها.

فما نشهده اليوم لا يشبه العالم الذي عرفناه لعقود، حيث كانت الخلافات تُدار عبر التفاوض.

كانت المؤسسات الدولية تُمنح – ولو شكليًا – دورًا في احتواء النزاعات.

وكانت القوى الكبرى تحرص على إضفاء غطاء سياسي أو قانوني أو أخلاقي على سياساتها.

أما الآن، فيبدو أن كل ذلك يتراجع أمام مشهد أكثر بساطة وأكثر قسوة:

من يملك القوة يفرض ما يريد، ومن لا يملكها يُطلب منه التكيف مع النتائج.

يكفي أن ننظر إلى عدد من الملفات الدولية خلال السنوات الأخيرة لنلاحظ كيف تراجع منطق السياسة لصالح منطق القوة.

ففي غزة، بدا العالم عاجزًا عن تحويل القانون الدولي وقرارات المؤسسات الدولية إلى آليات فعلية لوقف الحرب وحماية المدنيين.

وبينما كانت الإدانات والنداءات تتوالى، كانت الوقائع على الأرض تُحسم بالقوة العسكرية.

و رغم اتهام المحكمة الجنائية الدولية لبنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصدور مذكرات توقيف بحقهما، ظلت مذكرات التوقيف حبيسة الأدراج، بينما بقي المتهمون أحرارًا يمارسون أدوارهم السياسية والعسكرية.

وبقي السؤال الحقيقي:

هل يمتلك النظام الدولي الإرادة والقدرة على تنفيذ ما يصدر عن مؤسساته القضائية؟

وهنا تتجلى الأزمة بوضوح

فحين تصبح قرارات أعلى المؤسسات القضائية الدولية رهينة الحسابات السياسية وموازين القوى.

فإن الرسالة التي تصل إلى العالم هي أن القانون لا يُطبق بعدالة، وإنما بانتقائية تقررها موازين المصالح والنفوذ، وهو ما يشير إلى انتهاء صلاحية القانون نفسه.

في الملف الإيراني، تراجعت فرص الحلول السياسية أمام منطق الردع والتهديد والضربات المتبادلة.

وأصبح الحديث عن القوة العسكرية أكثر حضورًا من الحديث عن التسويات الدبلوماسية القادرة على معالجة جذور الأزمة.

في فنزويلا.

كشفت سنوات الصراع السياسي كيف أصبحت القوى الكبرى تتعامل مع الأزمات الداخلية للدول من منظور المصالح والنفوذ والتوازنات لا باعتبارها قضايا تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كان يتم الترويج له سابقًا .

هذه الأمثلة.

و ما يحدث في أوكرانيا وغيرها من بؤر الصراع تشير إلى اتجاه واحد:

تراجع قدرة السياسة على إدارة النزاعات، وتقدم منطق القوة بوصفه الأداة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الواقع الدولي.

لم يعد السؤال :ما هو الحل السياسي الممكن؟

بل: من يملك القدرة على فرض رؤيته على الأرض؟

الأخطر من ذلك أن القانون الدولي نفسه أصبح عاجزًا عن أداء وظيفته.

فالمواثيق موجودة، والمؤسسات قائمة، والقرارات تصدر، لكن تأثيرها الفعلي يتضاءل كلما تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.

ولم تعد الولايات المتحدة وغيرها من القوى المؤثرة في النظام الدولي تبذل الجهد نفسه لإخفاء مصالحها خلف سرديات الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو نشر القيم .

بل أصبح الحديث عن المصالح والنفوذ والممرات التجارية ومناطق التأثير أكثر صراحة من أي وقت مضى.

وكأن العالم يتخلى تدريجيًا عن اللغة السياسية التي سادت لعقود ليعود إلى منطق القوة في صورته الأكثر مباشرة.

ربما بدأ هذا المسار مع نهاية الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، لكنه تسارع بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة مع صعود قوى جديدة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واتساع نطاق الصراعات المفتوحة.

المشكلة أن عالمًا تحكمه القوة وحدها هو عالم أكثر اضطرابًا وأقل استقرارًا.

فالقوة تستطيع فرض الوقائع، لكنها لا تستطيع إنتاج العدالة، ولا بناء الشرعية، ولا معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات.

ولهذا فإن ما يبدو انتصارًا للقوة اليوم قد يتحول غدًا إلى مصدر جديد للفوضى وعدم الاستقرار.

يبقى السؤال:

هل نعيش مرحلة عابرة من اختلال التوازنات الدولية ستستعيد بعدها السياسة دورها وتنتصر لمبادئها ؟

أم أننا أمام تحول تاريخي أعمق، يتراجع فيه منطق السياسة والتفاوض لصالح منطق القوة وفرض الأمر الواقع؟

إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نشهد مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل عميقة للقواعد الدولية التي تأسس عليها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فأي نظام عالمي جديد ستفرزه هذه التحولات؟

نشر بموقع آخر الكلام في مايو 2026

وحدات حماية المرأة: اختبار المواطنة والعدالة في سوريا الجديدة

حين نتحدَّث عن أوضاع المرأة في شمال وشرق سوريا، فإنَّنا لا نتحدَّث فقط عن قضيّّة تخصُّ النّساء، ولا عن تجربة محلّيَّة معزولة، بل نتحدّث عن جزء من معركة أكبر تتعلّق بشكل الدَّولة والمجتمع ومستقبل الحقوق والحرّيَّات في سوريا وربَّما في المنطقة كلّها.

خلال السَّنوات الماضية، استطاعت المرأة في روج آفا أنْ تحقّق حضوراً لافتاً في المجالين السّياسي والاجتماعي،  وأنْ تفرض نفسها شريكاً في صنع القرار وفي إدارة الشَّأن العام، و برزت نماذج غير مألوفة في المنطقة لمشاركة النّساء في المؤسّسات المدنيَّة والعسكريَّة. لكنّ السُّؤال الأهمّ اليوم ليس ما الّذي تحقّق، بل كيف يمكن حماية ما تحقّق؟.

وفي هذا السّياق، تكتسب وحدات حماية المرأة أهميّة تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهذه الوحدات لم تكن مجرّد تشكيل نشأ في ظروف الحرب، بل أصبحت تعبيراً عن قدرة النّساء على المشاركة في الدّفاع عن مجتمعاتهنَّ، وكسر الصَّور النَّمطيَّة الّتي حصرت أدوارهنَّ لعقود طويلة. لذلك فإنَّ الحفاظ على وجود هذه الوحدات، وعلى الدّور والخبرة والتَّمثيل الّذي راكمته النّساء من خلالها، يمثّل ضرورة لحماية أحد أبرز الإنجازات الّتي تحقّقت خلال السَّنوات الماضية. فالقضيَّة ليست قضيّة تشكيل عسكري فقط، لكنَّها قضيَّة اعتراف بدور المرأة كشريك كامل في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء مستقبله. وأيّ ترتيبات سياسيَّة أو مؤسّسيَّة تتجاهل هذا الواقع أو تؤدّي إلى تهميش النّساء داخل المؤسّسات الأمنيَّة والدّفاعيَّة، ستكون خطوة إلى الوراء على طريق المساواة والشّراكة والمواطنة المتساويَّة.

وقد أثبتت وحدات حماية المرأة خلال السَّنوات الماضية أنَّ مشاركة النّساء في الدّفاع عن المجتمع ليست مجرّد شعار أو مطلب حقوقي، بل واقع عملي أثبت كفاءته على الأرض. فقد شاركت هذه الوحدات في مواجهة التَّنظيمات المتطرّفة وحماية المجتمعات المحلّيَّة، وفي الوقت نفسه قدَّمَتْ نموذجاً جديداً للمرأة الفاعلة والقادرة على تحمُّل المسؤوليَّة واتّخاذ القرار. ولذلك فإنَّ أهمّيَّة هذه التَّجربة لا تكمن فقط في بعدها العسكري، وإنَّما في ما أحدثته من تحوّل اجتماعي وثقافي أعاد تعريف دور المرأة بوصفها شريكاً كاملاً في حماية المجتمع وبناء مستقبله.

غير أنّ أهمّيَّة أيّ تجربة لا تُقاس فقط بما تحقّقه في لحظة معيّنة، وإنَّما بقدرتها على الاستمرار والصّمود أمام التَّحوّلات السّياسيَّة، فالحقوق لا تصبح راسخة لمجرّد وجودها في القوانين أو الهياكل التَّنظيميَّة  وإنَّما بقدرتها على التَّحوّل إلى جزء من الثقافة المجتمعية ومن بنية الدّولة نفسها. فالتجارب الإنسانية علّمتنا أنّ الحقوق التي لا تجد سنداً قانونيَّاً ومجتمعيَّاً ومؤسّسيَّاً قويّاً تظلّ عرضةً للتَّراجع كلّما تغيّرت موازين القوى أو تبدّلت الظّروف السياسيَّة.

ومن هنا تبدو المخاطر الّتي تهدّد مكتسبات المرأة في روج آفا مرتبطة إلى حدٍّ كبير بالمشهد السُّوري العام. فمع كلّ حديث عن ترتيبات سياسيَّة جديدة أو إعادة تشكيل مؤسّسات الدَّولة، يبرز خطر التَّعامل مع حقوق النّساء باعتبارها ملفاً ثانويَّاً يمكن تأجيله أو المساومة عليه لصالح أولويّات أخرى توصف بأنَّها أكثر إلحاحاً.

كما أنَّ صعود الخطابات المحافظة والمتشدّدة في أجزاء مختلفة من المنطقة يمثّل تحدّيَّاً إضافيّاً، خاصّةً حين يتمُّ تقديم مشاركة المرأة في الحياة العامّة باعتبارها استثناءً أو تهديداً للقيم الاجتماعيَّة، لا حقاً أصيلاً من حقوق المواطنة.

لكنَّ الخطر الأكبر ربَّما لا يكمن فقط في التَّهديدات السّياسيَّة أو الفكريَّة، وإنَّما في البيئة العامّة الّتي أنتجتها سنوات الحرب الطَّويلة، بيئة تراجعت فيها قيمة القانون، وازداد فيها حضور القوّة والسّلاح، وتآكلت فيها فكرة المحاسبة.

ولعلّ الأرقام الّتي توثّق تصاعد العنف ضدَّ النّساء في سوريا تعكس جانباً من هذه الأزمة. فحين يوثّق المرصد السُّوري لحقوق الإنسان مقتل عشرات النّساء خلال أشهر قليلة، فإنَّ القضيَّة لا يمكن اختزالها في جرائم فرديَّة أو حوادث متفرّقة. نحن أمام ظاهرة لها جذور أعمق ترتبط بتفكُّك البُنى الاجتماعيَّة، وانتشار العنف، وتدهور الأوضاع الاقتصاديَّة، وضعف مؤسّسات الحماية والعدالة.

لقد خلّفت الحرب السُّوريَّة إرثاً ثقيلاً من العنف. فالمجتمعات الّتي تعيش سنوات طويلة تحت وطأة الصّراع لا تخرج منه كما دخلت، العنف الّذي يبدأ في المجال العام ينتقل تدريجيَّاً إلى المجال الخاصّ، وتصبح القوّة وسيلة معتادة لحلّ النّزاعات وفرض الإرادة. وفي مثل هذه الظَّروف، تصبح النّساء  من أكثر الفئات تعرُّضاً للانتهاكات.

إلى جانب ذلك، فإنَّ استمرار بعض الأنماط الثَّقافيَّة الّتي تنظر إلى المرأة باعتبارها أقلّ استقلالاً أو أقلّ أهليّة لاتّخاذ القرار بشأن حياتها، يسهم في توفير غطاء اجتماعي غير مباشر للعنف القائم على النَّوع الاجتماعي، ويجعل مقاومته أكثر صعوبة.

غير أنَّ العامل الحاسم في استمرار هذه الانتهاكات يبقى غياب العدالة، فلا يمكن فصل تصاعد العنف ضدَّ النّساء عن غياب مشروع حقيقي للعدالة الانتقاليَّة في سوريا، المحاسبة ليست مطلباً انتقاميَّاً، بل ضرورة مجتمعيَّة لمنع تكرار الجرائم. فعندما تمرُّ الانتهاكات الكبرى دون كشف للحقيقة أو مساءلة للمسؤولين عنها، يعتاد النَّاس رؤية العنف دون أنْ يروا عدالة تُنصف الضَّحايا أو تُحاسب الجناة، عندها تتراجع الثّقة في القانون وتصبح الانتهاكات أكثر قابليّة للتكرار.

العدالة الانتقاليَّة ليست رفاهيَّة سياسيَّة، بل شرط أساسي لبناء مجتمع آمن، فهي تقوم على كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضّرّر، وإصلاح المؤسّسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ومن دون ذلك، يبقى العنف قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، من المجال السّياسي إلى المجال الأسري والاجتماعي، كما أنَّ العدالة الانتقاليَّة ليست قضيَّة تخصّ ضحايا الحرب وحدهم، بل قضيَّة تتعلّق بمستقبل المجتمع كلّه. ومن دونها ستظلُّ دائرة العنف مفتوحة، وسيبقى ضحايا جدد يدفعون ثمن جرائم قديمة لم تجد طريقها إلى المحاسبة

إنَّ حماية مكتسبات المرأة في روج آفا، أو في أيّ جزء من سوريا، لا تتحقّق فقط من خلال الحفاظ على بعض الهياكل أو التَّرتيبات الإداريَّة، بل من خلال بناء دولة مدنيَّة  ديمقراطيَّة تقوم على المواطنة  والمساواة وسيادة القانون، دولة تكون فيها حقوق النّساء جزءاً من العقد الاجتماعي نفسه، لا استثناءً تمنحه السَّلطة ثمَّ تنتزعه الظَّروف.

في النهاية، يبقى وضع المرأة أحد أكثر المؤشّرات دلالة على طبيعة أيّ مجتمع. فحين تتراجع حقوق النّساء، يكون ذلك إنذاراً بتراجع أوسع في قيم الحرّيَّة والعدالة. وحين تُصان هذه الحقوق وتُحمى، فإنَّ المجتمع كلّه يكون أكثر قدرة على بناء مستقبل قائم على الشَّراكة والكرامة الإنسانيَّة.

لذلك فإنَّ الحفاظ على وحدات حماية المرأة، وعلى الدَّور والتَّمثيل والخبرة الّتي راكمتها النّساء من خلالها، لا يتعلّق بمصير تشكيل بعينه، بل بمصير فكرة أوسع: فكرة أنْ تكون المرأة شريكاً كاملاً في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء الدَّولة. ومن هذه الزَّاويَّة، يصبح الدّفاع عن هذه التَّجربة دفاعاً عن المواطنة والمساواة والعدالة وعن حقّ جميع المواطنين في العيش داخل مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً وإنسانيّة.

نشر بوكالة أنباء الفرات يونيو 2026

 

المرأة في مواجهة العنف العالمي: نضال من أجل الحياة والحرية

 

الثامن من مارس.. يوم يحتفل فيه العالم بالمرأة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات عن واقع المرأة وحريتها.

 يوم تتلاقى فيه الكلمات الكبرى مثل المساواة والعدالة مع الحقائق الصعبة التي تعيشها ملايين النساء كل يوم.

 يوم يتناغم فيه الاحتفاء مع الصمت، ويصعب أحيانًا تمييز الفرح من الألم، والاعتراف من التهميش.

ففي كل زاوية من العالم، لا تزال النساء يواجهن أشكالًا متعددة من العنف والتمييز؛ في البيوت، وأماكن العمل، والفضاء العام، بل وأحيانًا في القوانين والسياسات التي يفترض أن تحميهن. وفي الوقت نفسه، تظل النساء شاهدة ومقاومة وصانعة حياة، لا تنتظر من أحد أن يمنحها الحرية، بل تصنعها بجهودها اليومية وإرادتها المستمرة.

هذا التناقض بين الاحتفال والواقع ليس جديدًا، لكنه يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عالم يعيش أزمات متلاحقة. فالحروب الممتدة في مناطق عديدة، والأزمات الاقتصادية التي تضرب المجتمعات، وصعود الخطابات المتشددة في كثير من البلدان، كلها عوامل أعادت طرح أسئلة قديمة حول مكانة المرأة وحدود حريتها ودورها في المجتمع. وفي قلب هذه التحولات غالبًا ما تجد النساء أنفسهن في الصفوف الأولى لدفع الثمن.

العنف ضد النساء ليس ظاهرة جديدة، لكنه لا يزال أحد أكثر أشكال الظلم انتشارًا في العالم. تشير تقارير دولية إلى أن ملايين النساء يتعرضن سنويًا للعنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وغالبًا ما يحدث ذلك داخل فضاءات يفترض أن تكون آمنة مثل المنزل أو مكان العمل. وفي كثير من الحالات لا يصل هذا العنف إلى ساحات العدالة، إما بسبب الخوف أو الصمت الاجتماعي أو ضعف القوانين.

ولا يقتصر العنف على الاعتداء الجسدي فقط، بل يمتد إلى أشكال أخرى أكثر خفاءً، مثل التمييز الاقتصادي، أو حرمان النساء من فرص العمل المتكافئة، أو التقليل من قدراتهن المهنية، أو استبعادهن من مواقع صنع القرار. وفي عصر التكنولوجيا ظهرت أيضًا أشكال جديدة من العنف الرقمي مثل التشهير والابتزاز والتحرش عبر الإنترنت، وهو ما وسّع نطاق الأذى ليصل إلى الفضاء الافتراضي.

وفي أوقات الأزمات الكبرى تتضاعف هذه التحديات. فالحروب والصراعات المسلحة تترك آثارًا قاسية على المجتمعات عمومًا، لكنها غالبًا ما تضرب النساء بشكل خاص. ففي مناطق النزاع تتعرض النساء للنزوح القسري ويفقدن مصادر الدخل والاستقرار، ويتحملن مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسر في ظروف شديدة الصعوبة. كما يُستخدم العنف الجنسي أحيانًا كسلاح في الحروب لترهيب المجتمعات أو كسرها.

ورغم ذلك، كثيرًا ما تُستبعد النساء من عمليات صنع القرار المتعلقة بالحرب والسلام. ففي الوقت الذي يتحملن فيه تبعات الصراع اليومية، لا يجدن غالبًا مكانًا على طاولات التفاوض أو في خطط إعادة الإعمار، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في فهم دور النساء في المجتمع والسياسة.

في هذا السياق اكتسب شعار المرأة، الحياة، الحرية حضورًا عالميًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاحتجاجات التي أعقبت مقتل مهسا أميني عام 2022. لم يكن هذا الشعار مجرد كلمات ملهمة، بل صياغة مكثفة لفكرة عميقة: أن حياة المجتمع لا يمكن أن تزدهر إذا كانت حياة النساء مهددة، وأن الحرية لا يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كانت حقًا للجميع.

فالمرأة ليست فقط نصف المجتمع كما يقال كثيرًا، بل هي أحد أعمدته الأساسية. هي التي تحمل عبء الحياة اليومية وتدير تفاصيلها الصغيرة، وتشارك في بناء المجتمعات اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. ومع ذلك كثيرًا ما تجد نفسها في موقع هش يواجه العنف أو التمييز أو التهميش.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدو هذه التحديات أكثر تعقيدًا. فالمنطقة تعيش منذ سنوات طويلة تحت وطأة صراعات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، تركت آثارًا عميقة على المجتمعات، وكانت النساء من أكثر الفئات تأثرًا بها. ففي بعض البلدان ما زالت النساء يواجهن قيودًا قانونية واجتماعية تحد من حريتهن في العمل أو الحركة أو المشاركة السياسية، بينما وجدت ملايين النساء في بلدان أخرى مزقتها الحروب أنفسهن أمام واقع قاسٍ من النزوح والفقر وفقدان الأمان.

لكن رغم كل أشكال العنف والتمييز، أثبتت النساء أنهن لسن مجرد متلقّيات للأذى، بل فاعلات أساسيات في التغيير. في المجتمعات المحلية، تقود النساء مبادرات التضامن الاجتماعي. في الحركات الديمقراطية، كنّ في الصفوف الأمامية. في ميادين العمل العام، قدّمن نماذج قيادية أثبتت كفاءة عالية وقدرة على إدارة الأزمات.

إن الاعتراف بدور النساء لا يجب أن يقتصر على الإشادة الرمزية، بل يجب أن يتحول إلى تمكين فعلي: تمكين سياسي يضمن تمثيلًا عادلًا، وتمكين اقتصادي يفتح الأبواب أمام الفرص، وتمكين ثقافي يعيد صياغة الصورة النمطية للمرأة في الإعلام والتعليم والخطاب العام.

وتشهد المنطقة حضورًا نسائيًا متزايدًا في المجال العام. فقد لعبت النساء أدوارًا بارزة في الحركات الاجتماعية والديمقراطية، وشاركن في مبادرات المجتمع المدني، ورفعن أصواتهن دفاعًا عن العدالة والكرامة والمساواة.

ومن بين التجارب اللافتة في هذا السياق تجربة النساء الكرديات، اللواتي قدّمن نموذجًا مهمًا في الربط بين النضال من أجل حقوق النساء والنضال من أجل الحرية والديمقراطية. فقد لعبت المرأة الكردية دورًا بارزًا في الحركات الاجتماعية والسياسية وفي الدفاع عن مجتمعاتها في أوقات الصراع، كما ساهمت في بناء نماذج تنظيمية جديدة تقوم على مشاركة النساء في القيادة وصنع القرار.

وفي مصر، لم يكن نضال النساء من أجل الحرية والمساواة منفصلًا عن النضال الوطني الأوسع. فمنذ بدايات القرن العشرين لعبت المرأة المصرية دورًا بارزًا في الحركة الوطنية. ففي ثورة 1919 خرجت النساء إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة للمطالبة بالاستقلال، وكانت رائدات مثل هدى شعراوي وسيزا نبراوي وصفية زغلول من بين النساء اللاتي أسسن لحركة نسوية مصرية ربطت بين تحرير الوطن وتحرير المرأة.

وقد استمر هذا الحضور النسائي في لحظات التحول الكبرى في التاريخ المصري المعاصر. ففي ثورة 25 يناير كانت النساء في الصفوف الأولى للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وشاركن في الاحتجاجات والعمل المجتمعي والإعلامي، وأسهمن في الحفاظ على الطابع السلمي للحراك الشعبي. ولم يتوقف هذا الدور عند تلك اللحظة التاريخية، بل تواصل حضور المرأة المصرية في المجال العام، وتنامى تأثيرها بوصفها فاعلًا أساسيًا في الحياة السياسية والاجتماعية.

إن هذا التاريخ الطويل من المشاركة النسائية في النضال الوطني والاجتماعي يؤكد أن قضية المرأة لم تكن يومًا قضية هامشية، بل كانت دائمًا جزءًا من معركة أوسع من أجل الحرية والعدالة.

فالمجتمعات التي تتيح فرصًا متساوية للنساء والرجال تكون عادة أكثر استقرارًا وازدهارًا، لأن المساواة توسع دائرة المشاركة وتتيح الاستفادة من كامل الطاقات البشرية المتاحة. ولهذا، لم يعد الدفاع عن حقوق النساء مجرد مطلب أخلاقي أو شعار نظري، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء مجتمعات عادلة، واقتصاد قوي، وديمقراطية حقيقية، حيث ينعكس تمكين المرأة مباشرة على استقرار المجتمعات ونموها وتطورها المستدام.

إن المجتمعات التي تحمي النساء من العنف وتضمن لهن المساواة في الحقوق لا تحقق العدالة فحسب، بل تبني أيضًا أساسًا أكثر صلابة للمستقبل. فالأطفال الذين ينشأون في بيئات تحترم النساء يتعلمون منذ البداية قيم المساواة والكرامة الإنسانية، وهو ما ينعكس فيما بعد على شكل المجتمع كله.

واليوم، ونحن نتأمل واقع النساء في العالم، قد يبدو الطريق طويلًا وربما مليئًا بالعقبات. لكن التاريخ يثبت أن التقدم في مجال حقوق النساء كان دائمًا نتيجة لنضالات طويلة وإصرار متواصل.

في تحالف ندى، نؤمن أن الدفاع عن حقوق النساء ليس ملفًا جانبيًا، بل هو قلب مشروعنا الديمقراطي الاجتماعي.
نؤمن أن العدالة الجندرية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وأن تمكين النساء سياسيًا واقتصاديًا هو شرط للاستقرار والسلام.

لذا نسعى ونطالب بـ :

  • تشريعات رادعة لكل أشكال العنف ضد النساء.
  • سياسات حماية اجتماعية واقتصادية للنساء، خصوصًا في مناطق النزاع والهشاشة.
  • تمثيل عادل وفعّال للنساء في مواقع صنع القرار.
  • تغيير ثقافي طويل المدى يبدأ من التعليم والإعلام والخطاب الديني.

في النهاية يذكّرنا اليوم العالمي للمرأة بأن قضية النساء ليست مسألة هامشية، بل جزء أساسي من معركة أوسع من أجل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

فحين تكون المرأة آمنة يصبح المجتمع أكثر أمانًا.
وحين تكون حرة تتسع مساحة الحرية للجميع.
وحين تُحترم كرامتها يصبح العالم مكانًا أكثر إنسانية.

ولهذا يبدو شعار المرأة، الحياة، الحرية أكثر من مجرد كلمات، فهو وعد بعالم أكثر عدلًا وإنسانية.

نشر في العدد الأول من رؤية المرأة إبريل 2026

 

المرأة في السباق الانتخابي.. مسؤولية الصوت لا عاطفة النوع

 

المرأة التي تقرر خوض السباق الانتخابي لا تتجه نحو ساحة تنافس متكافئة، بل تقتحم مجالًا احتكره الرجل، كغيره من المجالات، عهودًا طويلة، وهي بذلك تحمل على كتفيها أعباءً مضاعفة.
تخضع لنظرة فاحصة متحيزة، تُساءل فيها عن كل شيء: من طموحها إلى مظهرها، ومن كفاءتها إلى اختياراتها الخاصة.

هذا بالإضافة للمعوقات الأخرى التي يشترك فيها المرشحون جميعًا، رجالًا ونساءً، مثل عوار النظام الانتخابي وعدم توازن تقسيم الدوائر، واستخدام المال السياسي والنفوذ العائلي أو القبلي، بالإضافة لضعف الحياة الحزبية ما يجعل دعم الأحزاب لمرشحيها محدود الأثر، كما أن غياب التنافس الحزبي الحقيقي، وتراجع الاهتمام بالشأن العام، يدفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى اختيار الأفراد بناءً على اعتبارات شخصية أو محلية، لا على أساس البرامج أو المواقف السياسية، بالإضافة لضعف الاهتمام وضعف الثقة في العملية الانتخابية بل وجدوى المشاركة السياسية من الأساس.

وفوق هذه العقبات المشتركة، تواجه النساء تحديات إضافية لكونهن نساء، ما يجعل كل خطوة نحو الترشح معركة أخرى وتحد جديد يضاف للتحديات السابقة يتمثل في الاعتراف بحق المرأة في الوجود السياسي، والمنافسة العلنية، وصناعة القرار.

رغم ذلك، لا أرى - ولا ينبغي أن نرى- أن تكون هذه الصعوبات، بكل قسوتها، ذريعة تجعل المرأة تطالب الناخبات بدعمها أو التحيز لها فقط لكونها امرأة، فالإنصاف لا يعني تبديل مواقع التحيّز، بل يقتضي إزالة التحيّز من أساسه.

العدالة لا تعني استبدال التحيّز ضد النساء بتحيّز لهن، بل تعني بناء معايير موضوعية تُطبَّق على الجميعلا يصح أن نطالب الناخبات بمنح أصواتهن للمرشحات لمجرد أنهن نساء، تمامًا كما لا نقبل إقصاء المرأة لهذا السبب.
فالتمثيل السياسي لا ينبغي أن يقوم على النوع وحده، بل على الكفاءة والقدرة والرؤية الواضحة.

فبعض المرشحات، رغم انتمائهن لقضية عادلة، قد يفتقرن إلى البرامج الجادة أو يتبنين مواقف تعيد إنتاج ما نسعى لتجاوزهودعمهن بدافع التضامن الجندري فقط لن يخدم الهدف، بل قد يضر بالقضية نفسها، حين يتحوّل التمثيل إلى واجهة شكلية لا تغيّر شيئًا في جوهر السياسات أو في واقع الناس..

التمثيل الحقيقي لا يعني مجرد وجود امرأة على المنصة، بل وجود امرأة تمثل بالفعل قضايا الناس، تملك رؤية واضحة، وتتمتع بالقدرة والجرأة على اتخاذ القرار، وتملك الشجاعة للانحياز لما تؤمن به، لا لما يُملى عليها.

أما التمثيل الشكلي، فضرره لا يقل عن الإقصاء، لأنه يمنح شرعية زائفة لواقع لم يتغير، ويحوّل المرأة في دوائر صنع القرار إلى حضور رمزي لا يتجاوز اسمها أو صورتها، بصرف النظر عن مواقفها أو أدائها.

التحدي الحقيقي هو أن تنظر المرأة الناخبة -كما الرجل- إلى المرشحين بعين ناقدة، عادلة، وواعية. أن تُدرك حجم العراقيل التي تواجه النساء، دون أن تغض الطرف عن ضعف الأداء أو ضبابية المواقف. نحن نريد نساءً في مواقع القرار، نعم، لكننا نريدهن مؤهلات، قادرات، وممثلات حقيقيات لأصوات الناس وهمومهم.

وإذا كان المجتمع ما يزال يضع عشرات الحواجز أمام المرأة، فإن التصويت الواعي -لا التحيز الأعمى- هو السبيل الأكثر صدقًا لكسر تلك الحواجز، واحدة تلو الأخرى.

ليس المطلوب من المرأة الناخبة أن تصوّت للمرأة، بل أن تفكر وتُقيّم وتُحاسبفدعم النساء المؤهلات هو فعل سياسي ناضج، لا موقف عاطفي، والمساءلة لا تُضعف التضامن، بل تمنحه معناه الحقيقي وقيمته.

بهذا فقط نبني سياسة عادلة لا تحابي ولا تُقصي، بل تفتح المجال لمن يستحق، أيًا كان جنسه أو خلفيته، ما دام مؤمنًا بحق الناس في أن يكون لهم تمثيل حقيقي، ويسعى بصدق إلى التغيير.

نشر بموقع فكر تاني 28ى يونيو 2025