الاثنين، 15 يونيو 2026

 

الطيبات: نظام غذاء أم نمط تفكير؟

أثار الجدل الدائر حول ما يُعرف بـ"نظام الطيبات" الذي روّج له دكتور ضياء العوضي (رحمه الله)  موجة واسعة من النقاش بين مؤيد يرى فيه طريقًا للعلاج الشامل للأمراض المزمنة مع الاستغناء عن الدواء،  ومعارض يعتبره نموذجًا جديدًا لانتشار الفكر غير العلمي الذي يستغل احتياج الناس للأمل والشفاء السريع. وبين الطرفين، تبرز قضية أعمق من مجرد خلاف حول شخص أو نظام غذائي، وهي أزمة التفكير السائد في المجتمع، وكيف أصبح كثيرون أكثر قابلية لتصديق الطرح الخرافي من الاحتكام إلى المنهج العلمي.

المشكلة ليست فيما طرحه  دكتور العوضي، ولا في تفاصيل نظامه الغذائي، المشكلة في  بيئة كاملة تسمح بازدهار هذا النوع من الخطاب، أسلوب تفكير يسود المجتمع، أقل ما يقال عنه أنه لا ينتمي لأي منطق.  

مجتمعاتنا ما زالت تعاني من ضعف ثقافة السؤال والنقد، حيث يتم استقبال الأفكار غالبًا بدافع الثقة في الشخص لا في الدليل، ومن سلطة الكاريزما لا منطق البرهان. حين يتحدث شخص بثقة، ويرتدي عباءة “الخبير”، ويقدم وعودًا جذابة بالشفاء أو النجاح أو تغيير الحياة، يصبح من السهل أن يلتف حوله الناس، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والنفسية والصحية التي تجعل الجميع يبحث عن طوق نجاة سريع.

يمكن القول أن التفكير الخرافي هوالنمط السائد في مجتمعاتنا، أو على الأقل هو الأعلى صوتا، تفكير يقوم على تصديق الادعاءات دون دليل، وربط النتائج بأسباب غير مثبتة علميًا، والاعتماد على الانطباعات الشخصية والتجارب الفردية باعتبارها حقائق مطلقة. يميل أصحابه إلى البحث عن إجابات سهلة وسريعة، حتى لو كانت بعيدة عن المنطق، بدلًا من الاحتكام إلى السؤال والتحقق والبحث العلمي. في هذا النوع من التفكير، تتحول المصادفة إلى قاعدة، والتجربة الفردية إلى برهان، ويصبح الإحساس الشخصي أقوى من الحقيقة الموثقة.، بل يشمل أيضًا تصديق أي ادعاء بلا دليل، وربط النتائج بأسباب غير مثبتة، والاعتماد على التجارب الفردية باعتبارها حقائق مطلقة. فحين يقول شخص إنه شُفي بسبب وصفة معينة، هذا لا يكفي علميًا لإثبات فعاليتها، لكن في الوعي الشعبي تتحول القصة الشخصية إلى برهان قاطع.

هنا تظهر أهمية  مواجهة الخرافة  بالتفكير العلمي، الذي لا يقوم على الإنكار أو السخرية، بل على السؤال: ما الدليل؟ هل هناك أبحاث موثقة؟ هل التجربة قابلة للتكرار؟ هل النتائج خضعت لمراجعة علمية مستقلة؟ التفكير العلمي لا يعادي الإيمان ولا الأمل، لكنه يرفض استبدال الحقائق بالرغبات، ويرفض أن تتحول المعاناة الإنسانية إلى سوق مفتوح للوهم.

الأخطر أن انتشار هذا النمط من التفكير لا يقتصر على غير المتعلمين أو حتى أنصاف المتعلمين، بل يمتد أحيانًا إلى أصحاب الشهادات العليا والنخب المهنية والثقافية،  فأسلوب التفكير لا يتعلق بحجم المعرفة بقدر ما يرتبط بطريقة استخدامها ومنهج التعامل مع المعلومات.

والتعليم عندنا لا يعني بالضرورة امتلاك العقل النقدي، كما أن الثقافة لا تضمن التحرر من الانحيازات والرغبة في تصديق ما يوافق الهوى  و يمنح شعورًا سريعًا بالطمأنينة.

 كما أن  هذا النمط من التفكير  يمتد إلى السياسة والاجتماع والاقتصاد، حيث تنتشر الشائعات، وتُبنى المواقف على الانطباعات لا المعلومات، ويصبح الرأي الأعلى صوتًا هو الأكثر تأثيرًا، لا الأكثر صحة

نحن لا نحتاج فقط إلى فضح النماذج غير العلمية، بل إلى بناء ثقافة جديدة تُعلّم الناس كيف يفكرون، دون مصادرة نتاج فكرهم.

 نحتاج إلى تعليم يعزز النقد لا الحفظ، وإعلام يحترم عقل الجمهور بدلًا من استغلال خوفه، ومؤسسات علمية أكثر حضورًا في المجال العام.

قضية دكتور العوضي ليست قضية فرد، بل مرآة لمجتمع لا يزال يصارع بين منطق العقل وإغراء الوهم. والانتصار الحقيقي لن يكون بإسقاط شخص، بل بترسيخ وعي يجعل الناس أقل قابلية للخداع، وأكثر قدرة على التمييز بين العلم والادعاء، بين الحقيقة والخرافة ا

 تم النشر في موقع"آخر الكلام" 13 إبريل 2026

السبت، 3 يونيو 2017

ديني لنفسي ودين الناس للناس


أعلم أن صورتي المرفقة بالمقال ستثير دهشة كل من يعرفني
فلأول مرة منذ حوالي 32 عاما أظهر بدون "طرحة" على رأسي
وهذا بالطبع أمر شديد الخصوصية وحديثي عنه ليس تبريرا لكنه للتوضيح فقط.
في عام 1984 وكنت وقتها في الصف الثاني الثانوي قررت ارتداء "الحجاب" كان قرارا غريبا على الأسرة والعائلة فلم يكن "الحجاب" قد انتشر بعد في المجتمع المصري .
واجهتني اعتراضات لكني أصررت على موقفي فحقيقة لم أقتنع بالنصائح التي قيلت لي بأن أنتظر حتى أتزوج أو أدخل الجامعة بل زادتني اصرارا وتمسكا بموقفي ،فمن يريد الارتباط بي لابد أن يأتي لشخصي وليس لشَعري ،أما الجامعة فهي مكان للعلم وليس لاستعراض الملابس.
ابي –اطال الله عمره- احترم رغبتي كعادته في التعامل معي ،لكنه طالبني بالا أنفذ قراري الا بعد اقتناع تام حتى لا أرجع عنه .
كنت مقتنعة تماما بأن ما أفعله أمر الهي وأن الأمر عندما يتعلق بالفرض الديني فلا مجال للاختيار .
لكن هل هو حقا أمر سماوي ؟
سؤال عاد الى ذهني بعد سنوات وكانت اجابته عندي ان الله الخالق العظيم الذي لم نحط ولن نحيط علما بمخلوقاته لن يصدر أوامره بتغطية الرأس أو اخفاء الشعر.
الأوامر الالهية أعظم وأكثر قدسية من أن نخضعها لغرائزنا وأهوائنا.
ملابسنا جزء من ثقافتنا وتعاملنا مع البيئة والمجتمع ،وهي أمور تتغير وتختلف تبعا للزمان والمكان ،بينما الأوامر السماوية قوانين مطلقة تحكم علاقة الانسان بجنسه وبغيره من المخلوقات وبالكون كله
القرءان أعظم من أن يحدثنا عن طول الجلباب وفتحة الصدر وغطاء الرأس.
نحن نخضع الآيات لمفاهيمنا بدلا من أن نرقى لنستوعب رسالة السماء لنا .
ارتدوا ما شئتم ...غطوا رؤوسكم أو اكشفوها ...لكن لا تزعموا انها أوامر الله.
لن أغطي رأسي وهذا شأني ، لكني لا أستنكر أن يغطي الآخرون رؤوسهم (وهو مايفعله الرجال والنساء في شبه الجزيرة العربية).
قناعتي شأني وحدي وقناعات الآخرين شأنهم .
لكنها تظل قناعة وليست دينا.
وأخيرا أقول ماقاله الحلاج: ديني لنفسي ودين الناس للناس

مجانية التعليم ليست ناصرية

من الأخطاء الشائعة في مصر- وما أكثرها- ربط مجانية التعليم بالعهد الناصري ،وبالفكر الاشتراكي بصفة عامة ،رغم أن التاريخ يؤكد أن مجانية التعليم صاحبت النهضة التعليمية التي قامت في عهد محمد علي وأنها استمرت حتى دخول الاحتلال البريطاني مصر عام 1882،ثم عادت الى مصر عام 1944بعد أن قدم  أحمد الهلالي (وزيرالمعارف ) تقريرا الى مجلس النواب عن اصلاح التعليم في مصر - وكان الدكتور طه حسين مستشارا فنيا للوزارة  وقتها- وأكد الهلالي على أهمية أن يكون التعليم حقا لجميع المواطنين ،يجب أن يقوم على المساواة التى هى أساس الديمقراطية التى يكفلها الدستور(دستور 1923): " لأنه ليس من العدالة الاجتماعية أن تكون مهمة الطبقة العاملة أن تكدح وتكدح، وننكر عليها حقها فى التفكير وفى الاستمتاع بنور العلم".
وبالفعل صدرقرار وزاري بتقرير مجانية التعليم الابتدائي عام 1944.
وعندما عرضت وزارة المعارف على الدكتور طه حسين ،بعد فوز الوفد فى انتخابات البرلمان أواخر عام 1949، اشترط اقرار مجانية التعليم الثانوي وقد كان له ما أراد فتم بذلك اقرار مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني .
وقد حاول الدكتور طه حسين أن يجعل التعليم العالي مجانيا أيضا فلم يسمح له ،لكن من يحصل على أكثر من 60% في التوجيهية (الثانوية العامة) كان يعفى من المصروفات الجامعية ويستمر فى هذا إذا حافظ على تقدير لا يقل عن جيد،حتى تم اقرار مجانية التعليم العالي عام 1962.
ومصر ليست استثناءا في هذا المجال انما يشاركها بل ويسبقها فيه غالبية دول العالم ، فكثير من البلاد في شمال أوروبا تمتد مجانية التعليم فيها الى مرحلة الدراسات العليا ، وفي الأرجنتين و النرويج وفنلندا الدراسة الجامعية مجانية حتى للطلاب الأجانب .
وحتى وقتٍ قريب كان التعليم مجانيا للطلاب الأجانب في السويد ثم أصبح قاصرا على الطلاب من بلاد الاتحاد الأوروبي فقط ،وفي الدانمرك أيضا يوجد تعليم مجاني للجميع بل يحصل طلاب التعليم العالي على راتب شهري، وفي الأرجنتين واليونان يقدم التعليم المجاني لجميع المستويات .
وفي البرازيل التعليم مجاني أيضا  وتقدم وزارة التعليم منحا دراسية لدرجات الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه للبرازيليين والمهاجرين الذين يحملون الجنسية البرازيلية.

والأمثلة كثيرة لأنظمة التعليم المجاني في أنحاء العالم ،فالتعليم استثمار للدولة في مواطنيها ،خدمة اجبارية تقدمها الحكومات وحق من حقوق المواطن لايمكن التنازل عنه .

نشر في موقع الطريق بتاريخ 19 مارس 2017

ماليش في السياسة



اعذروني، مش حاتكلم في السياسة .....مش حاكتب عن السياسة ....لأني في الحقيقة مش مهتمة بالسياسة

مش مهتمة بالحكومة ومين الوزير اللي اتغير ،مين جه ومين راح ومين حلف اليمين ...مين صادق ومين كاذب

ماليش علاقة بمجلس الشعب مين كسب ومين خسر ومين حيعيد

ولا بالأحزاب :لا اليميني ولا اليساري ولا الديني ولا العلماني

عايزين يغيروا الدستور ؟ يغيروه أو حتى يلغوه أكيد مش حيفرق عندي

مش مهتمة بانتخابات المحليات ولا القانون اللي حينظمها 

أسرتي الصغيرة أهم ،عايزة ولادي يتعلموا كويس ،يدخلوا مدارس تعلمهم صح ، مدارس مصرية أقدر على مصاريفها ،ومن غير دروس خصوصية

عايزاهم يدخلوا كليات يتعلموا فيها مش ياخدوا منها شهادة

عايزاهم لما يتخرجوا يشتغلوا في أماكن تحترم تخصصهم وقدراتهم 

"مش عايزة أخاف عليهم من صاحب منصب أو نفوذ أو"حالة فردية 

مش عايزاهم يدفعوا رشوة علشان ياخدوا حقهم

عايزاهم يشربوا ميه نظيفة وياكلوا أكل صحي

واذا مرضوا يلاقواعلاج حقيقي وفي حدود امكانياتهم 

مش عايزاهم يخافوا يدخلوا قسم شرطة أو يقفوا قدام قاضي

....باختصار عايزة حقي وحقهم

نشر بموقع الطريق 4 يونيو 2016 

الأحد، 18 ديسمبر 2016

مزيد من الحرية .... قليل من التطرف

لا يختلف انسان على بشاعة الحادث الارهابي الذي تعرضت له الكنيسة البطرسية بالعباسية يوم الأحد الماضي.
مواطنون مصريون عزل يؤدون صلاتهم في مكان عبادتهم ليأتي شاب في ربيع عمره ومقتبل حياته يحكم على نفسه وعليهم بالموت.
عمل لاتقل غرابته عن بشاعته
ماذا دفع هذا الشاب للانتحار؟ أي معتقد أمره بأن يقدم على التضحية بحياته ليقتل أبرياء لا تربط بينه وبينهم أية علاقة وربما لم يرهم من قبل؟؟؟
وماالذي يجب علينا عمله لنتجنب تكرار مثل هذا الفعل؟
الغريب أنني سمعت اجابة هذا السؤال في كثير من الفضائيات وكلها تتطابق في تقديم الحل:تغيير الدستور،التوسع في المحاكمات العسكرية للمدنيين ،اغلاق معبر رفح !!!!
لا أعرف أي دستور يمكنه أن يثني مثل هذا الشاب عن قتل نفسه وقتل غيره؟
أية محاكمات عسكرية يمكنها تقديم أحكام أشد مما حكم به هو على نفسه؟
الشاب حكم على نفسه بالموت ،وضع دستوره وقوانينه الخاصة به وحكم بموجبها على نفسه وغيره بالقتل، ولم يترك لنا فرصة محاسبته.
الشاب تمت ادانته من قبل ، قُبض عليه منذ عامين وبحوزته قنبلة ،ماذا فعلنا معه؟
ماذا فعلنا مع كل الشباب الذين تم القبض عليهم في أحداث عنف؟
هناك من تم حبسه وقضى فترة العقوبة وهناك من تم الافراج عنه .
يجب ألا نتعامل مع هؤلاء من منطلق قانوني فقط ،هؤلاء مرضى يحملون أفكارا تدين المجتمع ،علينا التعامل مع هذه الأفكار ليس بكبتها والقضاء على من يحملها وليس بالتفتيش في العقول  وتغليظ العقوبة على من يخالفنا الرأي ،بل بالاحتواء واعادة تأهيل هؤلاء الشباب .
نبحث في أسباب كراهيتهم لمجتمعهم وانفصالهم عنه ،وكيف استقطبهم شيوخهم واستطاعوا السيطرة عليهم الى حد جعلهم يستهينون بالحياة نفسها.
هؤلاء الشباب انتموا لمن أشعرهم بأهميتهم ،لمن أعطاهم معنى لوجودهم وأملا حتى لو كان هذا الأمل يتحقق بالموت.
علينا أن نحاسب أنفسنا أولا لنعرف لماذا فرطنا في هؤلاء الشباب وكيف تركناهم عزل لا يقدرون على مواجهة مثل تلك الأفكار الهادمة ،وعندها سنعرف كيف يمكننا استعادة هؤلاء ،ليس بالمحاكمات العسكرية ولا باغلاق معبر رفح وليس بازدراء حقوق الانسان كما يروج شياطين الفضائيات ولكن باعلاء قيمة الانسان وارساء مبادئ حرية الفكر والعقيدة .
ماذا يميزنا عن الارهابي اذا كنا سنكفرمثله بالحرية وبالانسان ؟
العنف في مواجهة الأفكار يزيدها قوة وقتل صاحب الفكرة أو التنكيل به يدعم فكرته وينشرها ،وعلى مر العصوركانت المجتمعات المنغلقة  والسجون بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة ،التي يظهر تهافتها وضعفها بمجرد خروجها للنور.

فالأفكار المتطرفة كالفيروسات لا تنتشر الا في الأماكن المغلقة ،والفكر الحر هو وحده القادر على تحصين صاحبه ضد التطرف.

نشر بموقع الطريق في 15 ديسمبر 2016

أنا الوطن والوطن أنا


"أنا الدولة والدولة أنا"
قول مشهور ينسب للملك الفرنسي لويس الرابع عشر الذي تولى حكم فرنسا منذ 1643 و حتى 1715.
عبارة بسيطة موجزة تختصر فلسفة حكم الفرد وتبرر كل مايقوم به الحاكم من قمع وتنكيل بمعارضيه ،فالحاكم هو الدولة ،ومعارضته خيانة ،ومحاولة انهاء حكمه هدم لكيان الدولة.
فالحاكم والنظام السياسي والدولة كيان واحد لايمكن تجزئته ،الحاكم هو النظام والنظام هو الدولة.
واذا كان هذا هو الفكر السياسي الذي حكم فرنسا قديما الا أنه لازال سائدا عند أغلب حكام العالم الثالث ،بل ان العبارة تتحول الى :"أنا الوطن والوطن أنا".
وعندها يصبح الحاكم وحاشيته و كل ما يتعلق برجال الدولة خطاً أحمر لا يجب الإقتراب منه ،  فيصبح كل من ينتقد الحاكم أو يقف في وجهه أو يعترض على قراراته و يخالفه في رأيه ،  خائنا للوطن يجب القصاص منه ومن كل من يعاونه بل ومن يرضى عن أفعاله.
وفي أوقات الأزمات ـوهي دائمة في بلادناـ تزداد قابلية الشعوب لتصديق هذه المزاعم ،ويصبح الدفاع عن الحاكم دفاعا عن الوطن ،والولاء له مرادفا لمعنى الوطنية.
ولكن في الواقع يجب  التمييز بين الدولة والحكومة، فمفهوم الدولة أكثر اتساعا من الحكومة، الدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجتمع وأفراده بوصفهم مواطنين، وهو ما يعني أن الحكومة ليست إلا جزءا من الدولة. فالحكومة هي الوسيلة التي تمكن الدولة من أداء مهامها ، الدولة كيان له صفة البقاء والاستمرار بينما الحكومة مؤقتة بطبيعتها ، وقد يتعرض نظام الحكم للتغيير أو التعديل، ولكن تبقى الدولة.
اسقاط الحكومة وتغييرها بالطرق السلمية هى أحد الاستحقاقات الديمقراطية وقواعدها التى يجب التسليم بها ولكن ليس من حق أى فصيل سياسى أن يسعى لإسقاط الدولة تحت أي مسمى.
ويجب أن تنتمي مؤسسات الدولة للشعب وليس للنظام السياسي ،الشرطة لأمن المواطن، والجيش لأمن الوطن، والقضاء يحكم بالعدل فلا تتحول أحكامه أداة للانتقام وتصفية الحسابات.
فالدولة هي القانون. والنظام هو السياسة ،واذا اختلط المفهومان فقد القانون قدرته على تأمين المساواة والعدل في المجتمع.  وهنا يستعير النظام من الدولة مؤسساتها الأمنية، ليفرض بالقوة سلطته وهيمنته على المجتمع.

خلط المفاهيم بين الحاكم والوطن والدولة والنظام لن يحمي الحاكم ونظامه لكنه سيفقد الدولة هيبتها والوطن قدسيته

الخميس، 20 أكتوبر 2016

"المؤسسة العسكرية" دولة في "شبه دولة


"القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، والدولة وحدها هى 
التى تنشئ هذه القوات."
هذا مانص عليه الدستور المصري في تحديد مهمة القوات المسلحة
وهذا هو المتعارف عليه في العالم أجمع
القوات المسلحة دعامة أساسية وركيزة هامة لكل دولة ،لكن لايمكن اخراجها عن دورها الذي أقره الدستور ولا يمكن أن تحل محل مؤسسات الدولة الأخرى.
القوات المسلحة ليست هي الدولة ولا يمكن أن تقوم بدورها .
وزارة الدفاع من أهم الوزارات لكن لايمكن أن تحل محل وزارة أخرى ،فمن غير المنطقي أن تقوم وزارة الدفاع بعمل وزارة التموين أو وزارة المواصلات ،وأخيرا وليس آخرا وزارة الصحة.
وربما يرى البعض أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها وأنها– وحدها –من تستطيع انجاز المهام التي توكل اليها على أفضل وجه .
نعم هذه حقيقة ،ولكن لماذا؟
لماذا تنجح القوات المسلحة فيما تعجز عنه باقي مؤسسات الدولة ووزاراتها؟
ببساطة :لأنها تملك من الامكانات مالاتملكه  الدولة .
فهل يستمر اضعاف مؤسسات الدولة لصالح المؤسسة العسكرية  ؟
هل يمكن أن تقوى المؤسسة العسكرية اذا استمر الزج بها في أعمال بعيدة عن طبيعتها وعن  دورها الأساسي ؟
هل يمكن بناء جيش قوي دون استكمال بناء باقي مؤسسات الدولة؟
أعلم أن تساؤلاتي ستثير غضب البعض ،وبالطبع ستكال لي الاتهامات بعدم الوطنية وبالاشتراك في المؤامرة الكونية التي تدار ضد قواتنا المسلحة .
لكني أؤكد أن المطالبة باحداث توازن بين مؤسسات الدولة يدعم تلك المؤسسات ولا يضعفها ،وأن الدولة القوية بكل مؤسساتها هي التي يمكنها الوقوف في وجه المؤامرات .
أما شبه الدولة فلايمكنها بناء جيش قوي مهما منحته من امتيازات على حساب باقي مؤسساتها .
البحث العلمي لايقل أهمية عن التسليح ،ودور وزارة الصحة في الحفاظ على حياة المواطن لايقل أهمية عن دور الأمن .

المؤسسات الضعيفة يجب أن تجد دعما ومسانده من الدولة لا أن يسند دورها للمؤسسة العسكرية، فالدولة كيان متكامل لا يستقيم الا باحداث توازن بين أركانه.

نشر بموقع الطريق 3 سبتمبر 2016