الجمعة، 26 يونيو 2026

 

جدل القنوات المغلقة: كتاب للمفكر الراحل حلمي شلبي

قرأت مؤخرا كتاب "جدل القنوات المغلقة" للمفكر الراحل حلمي شلبي، يتناول الكتاب مشاكل المجتمع المصري ، لكنه لا يتناولها كما اعتدنا ،لا من حيث الأسباب ولا العلاج

يقدم الكاتب رؤية مختلفة ، يبحث في العمق عن جذور مانراه على السطح من مشكلات أو مايمكن أن نطلق عليه "أمراض" يعاني منها المجتمع ، ليكتشف ويكشف لنا أن كثير من تلك المشكلات ذات جذور مشتركة.

فهو يتناول الجذور التاريخية لنشأة الدولة المصرية الحديثة ، وكيف أثرت هذه النشأة على العلاقة بين السلطة والفرد، وبين الدولة والفكر، ويرى أن الدولة المصرية منذ نشأتها اهتمت بالحداثة في الانتاج الزراعي والصناعي والتجاري ،لكن هذه الحداثة لم تصل للفكر السياسي الذي أتت نشأته بعد ذلك لا ليعبرعن طبقة معينة، ولكن ليبحث له عن دور داخل الدولة، لذا يرى الكاتب أن الفكرالسياسي المصري ولد في حالة تبعية، فالدولة هي التي صنعت المفكر وليس العكس، مما جعل الفكر المصري في أزمة شديدة الخصوصية مع الدولة إذا أراد التعبير عن نفسه بشكل منفصل لأنه يضع طبيعة الدولة نفسها في حالة تساؤل.

كما أثرت طبيعة نشأة الدولة كذلك على الفرد (المواطن) وقدرته على تحقيق ماهيته الخاصة التي تتطلب ألا تكون هناك مصادرة لأي مجال من مجالات الحياة ، كفرص العمل السياسي أو تحسين شروط الحياة الاجتماعية، وهنا يجد الفرد نفسه أمام قناة مغلقة لا يمكن النفاذ منها لتجديد الحياة السياسية أو خلق قنوات فعالة لتداول السلطة، وهذا يرجع لفلسفة الدولة السياسية التي تقوم على مبدأ تجريد الإنسان المصري من ماهيته السياسية، وإفراغ فكرة الحياة من بعدها السياسي ،أي تجريدها من العامل الحاسم في تحديد مصير الفرد والدولة معا.

وينتقل الكاتب إلى الحياة الاجتماعية وامكانية حدوث حراك اجتماعي في ظل طبيعة السلطة هذه ، فيؤكد أن قنوات الحراك الاجتماعي ضيقة ضيقا شديدا – رغم أنها تتمتع بهامش حركة لا تتمتع به القنوات السياسية – فالمواطن قد ينشيء قنواته الخاصة للحراك الاجتماعي التي تخالف القانون الإداري أو المالي ، لكنه لا يجرؤ على مخالفة النظام السياسي ، ففي الحالة الأولى قد يلقى بعض التسامح ،أما الحالة الثانية فهي خط أحمر لا يجرؤ على المساس به، إلا أن هذه القنوات لا تسفر عن أكثر من تحسن مظاهر الحياة من مأكل وملبس.

لذلك نجد أن التحولات الاجتماعية الكبيرة حدثت بناءا على تدخل الدولة وليس نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي ، كقانون الاصلاح الزراعي وعمليات التأميم في العهد الناصري ، ثم الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، وفي العقود الأخيرة ظهر عاملان حاسمان في عملية الحراك الاجتماعي :سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تطورت لعملية الخصخصة والسوق الحر، ثم هجرة العمالة المصرية لدول الخليج .

لكن هذا الحراك خارج سياق الآليات التقليدية التي تتسم بالفعالية ومكافأة العمل والابتكار، فهي قنوات يحفرها الفرد بنفسه بالعجلة والتلهف على تحقيق الثروة بسرعة ، لكنه فشل في انشاء قناة فعلية تعمق قدرته على الاستمرار، فالرغبة في الرقي الاجتماعي وتحسين الظروف الاجتماعية لم تصدرعن شعور بالحق الطبيعي وإنما صدرت عن شعور بالخطر مما أدى إلى إعلاء شأن الممارسة التي تحقق المكاسب الاجتماعية على حساب المبدأ السياسي أو الأخلاقي.

وينتقل الكاتب لقضية غاية في الأهمية تتعلق بطبيعة السلطة وعلاقتها بالأفراد ، وهي قضية التعليم، فإذا كان التعليم أداة منهجية للتعرف على موضوعات العلم فإن هذه الأداة تحتاج إلى حرية الفكر التي تشكل حماية للمنهج العلمي، والتعليم هو الاعداد المباشر لعقلية الطالب وتدريبه على السلوك الفكري ، لكن الطالب المصري يجري اعداده وتدريبه على طاعة النص في المقرر التعليمي مما يجعله مستعدا بعد ذلك لطاعة أي نص آخر دون اخضاعه للنقد العقلي .

فيربط الكاتب بين المواطن الذي استلبت منه ماهيته السياسية فلم يعد قادرا على ممارسة أي فعل سياسي والطالب الذي سلبت منه ماهيته فلم يعد قادرا على التفكير وإعمال العقل فيما يتعلمه،ويرى أن النظام السياسي ينتج نظاما تعليميا على صورته ومقاسه ووفقا لأهدافه المتمثلة في استلاب ماهية الأشياء"ماهية المواطن السياسية،وماهية الطالب الفكرية".

 

ثم يتطرق الكتاب لفكرة السلطة في المجتمع المصري ،فيرى أنه مجتمع أبوي سياسيا واجتماعيا وثقافيا فالأبوية منهج تفكيري وسلوكي يقوم على أساس استحواذ الأب "في المنزل والعمل والسياسة" على سلطة اتخاذ القرار بصورة لا تسمح لأحد أن ينافسه عليها أو يناقشه فيها، وتبقى قنوات التعبيرعن الرأي أو تداول السلطة أو الحراك الاجتماعي قنوات صورية وتصادر أي محاولة لانشاء قنوات أخرى فعالة، فالسلطة لا تعرف التجزئة أو المشاركة واستتباب الأمن والنظام عندها لا يتحقق إلا بنفي الآخر والتخلص من وجوده كمنافس محتمل.

ويرى الكاتب أن المشاكل التي طفت على السطح في السنوات الأخيرة والتي لم يستطع المجتمع التخلص أو حتى الحد منها، ترجع أسبابها لهذا الانغلاق مثل الزواج العرفي الذي يرى أنه قناة من قنوات التعبير العاطفي أنشأها الشباب في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية تعيق عملية الزواج بشكلها وشروطها المعروفة، كذلك الدروس الخصوصية هي محاولة لايجاد مجال للحراك الاجتماعي الذي أغلقت قنواته الطبيعية.

 

ثم يتعرض الكاتب لدور الفرد والدولة في دفع حركة التقدم فيرى أن النفوذ الذي تتمتع به الدولة في مصر يتجاوز الحدود الطبيعية لأنه يستطيع أن يتحكم في هذه الحركة سلبا وإيجابا، بل ان الحاكم في مصر يمكنه دفع الدولة في اتجاه ما ، ثم يأتي حاكم آخر ليدفعها في الاتجاه المضاد دون أية اضطرابات أو قلاقل،وتاريخ مصر الحديث يظهر قدرة الدولة على تشكيل المجتمع طبقيا وفقا لما يراه النظام السياسي، ويستطيع كل نظام احداث قطيعة طبقية وسياسية مع ماقبله، هذا الدور لا يقتصر على المستوى السياسي والاقتصادي بل يمتد للفكر كذلك، فاذا نظرنا لتاريخ تطور الفكر المصري سنجد عدم قدرة هذا الفكر على احداث تراكم بسبب تدخل الدولة في عرقلة عملية التراكم هذه، فنجد الفكر المصري يتوقف في منتصف الطريق نتيجة الاعياء والجهد الذي يصيبه من الضغوط الواقعة عليه، أو نتيجة قهر المفكر لنفسه خوفا من تعرضه وتعرض فكره للقهر الخارجي، مما يجعل الفكر يترهل ويشيخ عندما لايصل لما يريده ولا يعود شيء مما أنتجه يثير الرغبة فيه أو يحفزه على الاستمرار،واذا كان القهر يعطل امكانات العقل ويشوهه، فإن الخوف من القهر لا يقل أثرا، فهو يمسخ العقل ويشوه الوجدان ، فالعقل المرتعش لا ينتج فكرا ولا يصنع حضارة.

فنجد المفكر والباحث في هذه الظروف يراقب كلماته وفكره – وهذه أسوأ أنواع الرقابة - ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه السلطان فيصبح فكره تقليديا محافظا ويبتعد عن الموضوعات التي قد تهلكه.

فهو يعرف أن السلطة لن تتردد في ممارسة صلاحياتها الكثيرة وهو أمامها لا يملك شيئا، فلا قنوات شرعية يمكن أن تشكل ضغطاعليها ولا رأي عام قادر على احداث توازن صحي بين الخصوم السياسيين ، فالآلة الاعلامية تصف معارضي النظام بالخيانة أو العمالة أو التطرف ...الخ

ويرى الكاتب تطابق بين فكرة السلطة في النسق الاجتماعي الثقافي ، والسلطة في النسق السياسي ، فالأب يعيد انتاج نموذج الخضوع لسلطة مطلقة لا تقبل المشاركة ، والنظام الأبوي يجعل الشخص الذي يصل للسلطة لا يقبل إلا الخضوع المطلق ، ومن هنا تمارس الدولة باقتدار اجهاض أي شكل تنظيمي مهما كان ضعفه وأيا كان مجاله: نقابيا أو سياسيا، اجتماعيا أو فكريا.

الخلاصة:

يحلل الكاتب طبيعة الدولة في مصر فيرى أن لها طبيعة ميتافيزيقية ،أي أنها سلطة فوقية لذلك لا تقبل بفكرة تداول السلطة ، ولا تعتبرها أمرا طبيعيا يتوافق مع التحولات الاجتماعية.

هذه الطبيعة تجعل رئيس الدولة يكتسب هالة متعالية تنبع من فكرة السلطة في الوجدان الاجتماعي، أما الفرد (المواطن) فتتحدد مكانته في إطار هرمي يوضع في قاعدته ويصبح عليه تحمل كل ثقل الطبقات التي تعلوه حتى نصل لقمة الهرم الاجتماعي أو السياسي.

من في القاعدة لا يجد أمامه إلا شروط البقاء وحدها يناضل من أجل الحفاظ عليها، بينما يتمتع من في القمة والمحيطون بها بكل شكل رفيع من أشكال الاستمتاع بالحياة.

فكرة السلطة في الوجدان الاجتماعي القائم على السلطة الأبوية هي التي تجعل الفرد مستعدا لتحمل هذا البناء الهرمي فوق كتفيه دون أن يشكو، وإذا اشتكى كان المنطق الذي يوجه شكواه هو منطق تخفيف العبء وليس التحرر منه، فالفرد لا يصوغ حياته انطلاقا من حقه الطبيعي فيها ، وإنما من منطق البقاء، منطق الحدود الدنيا التي تضمن استمرار البقاء.

هذا التفاوت الكبير بين الفيزيقا(طبيعة وجود الفرد)، والميتافيزيقا(طبيعة وجود الدولة في مصر) جعل الفكر المصري مع بداية نشأة الدولة الحديثة أمام طريق مسدود ، السلطة تريده أن يلعب دورا على مقاسها ووفقا لاحتياجاتها ، لكن الفكر يريد بطبيعته أن يعقلن كل شيء بحيث يكتسب الشيء مبرر وجوده من الضرورة لا من القسر، فأدرك أنه يواجه قوة تمثل ماهيتها الخاصة تضادا صارخا مع ماهيته كفكر، فهو يمثل نفيا لها وهي تمثل نفيا له ، والنتيجة أحد أمرين:إما الصدام في مواجهة غير عادلة وإما أن يبقى الفكر محافظا ، أي يتخلى عن ماهيته ويصبح أي شيء آخر إلا ان يكون فكرا.

وإذا نظرنا إلى المجتمع سنجد أنفسنا أمام مجتمع ضعيف أو متهالك على كل مستوى فكري أو علمي أو سياسي أو تنظيمي،وهنا ستبرز سلطة الدولة بوصفها الشيء الوحيد الذي يمتلك القدرة على الحركة والفعل، وإذا كان المفترض أن قوة المؤسسات وارتفاع كفاءتها يعطي للدولة قوة حقيقية ويضمن سلامتها واستمرارها فإن هذا ينطبق على الحالة الطبيعية عندما تكون الدولة جزءا من حركة المجتمع وتطوره، أما إذا كانت الدولة ترى في قوة المؤسسات تهديدا لها فإننا نصبح إزاء قوة مفارقة للمجتمع تتغذى عليه دون أن تعطيه شيئا، وتحاول قهر روحه واستلاب ماهيته.

يرى الكاتب أن المخرج من هذه التناقضات يكمن في ضرورة دمج الدولة في الجسم الاجتماعي الطبيعي بحيث تستمد وجودها من المجتمع وقوتها من قوة مؤسساته وتنظيماته ولا يصبح وجودها غريبا عن الجسم الاجتماعي ومعاديا له.

لكنه يختم بحثه وتأملاته بسؤال ترك لنا حرية أو عبء الإجابة عليه: كيف؟

تم النشر بموقع الحوار المتمدن في 18 يوليو 2020

 

مالم نسمعه في رد الرئيس

تابعت – مثل ملايين المصريين – رد الرئيس السيسي على سؤال الصحفي الفرنسي عن حقوق الانسان في مصر ، لم يكن السؤال مفاجئا لكن المفاجأة كانت في الاجابة.

المعتاد في مثل هذه الحالات أن يكون الرد بأن هذا شأن داخلي ،أو أن حقوق الانسان في مصر مصانة وأي قول يخالف ذلك هو قول مغرض أو ترديد لشائعات .
لكن الاجابة جاءت غير متوقعة ، كانت الاجابة أن المصريين لايتمتعون بأي حق من حقوقهم الأساسية ،قال الرئيس : يجب ألا نقصرحقوق الانسان على الحقوق السياسية فقط ، لماذا لم تسألني عن حق الانسان في مصر في تعليم جيد ؟ ليس لدينا تعليم جيد ،لماذا لم تسألني عن حق المصريين في علاج جيد؟ ليس لدينا علاج جيد ،لماذا لم تسأل عن حق التوظيف ؟ليس لدينا توظيف جيد ،لماذا لم تسأل عن الحق في الاسكان الجيد ؟ في الوعي الحقيقي ؟
نعم ،أقر الرئيس أن المصريين لهم حق في تعليم جيد لكنهم لايحصلون عليه ،وذلك على عكس ما يعتقده المصريون أنفسهم بأن مجانية التعليم هي السبب في تردي أحوال التعليم.
أقر الرئيس بحق المصريين في علاج جيد لكنهم لا يحصلون عليه،وهذا مالا يعرفه كثير من المصريين
أقر الرئيس بحق المصريين في توظيف جيد وخلق فرص عمل ملائمة ،لكنهم لايحصلون على هذا الحق ،هم لايرفضون العمل –كما يقال- لكنهم لا يحصلون على حقهم في العمل .
للمصريين الحق في سكن ملائم لكنه حق غائب وهم مغيبون عن المطالبة به.
للمصريين الحق في معرفة حقيقية ، توعية ، تثقيف ،لكنهم لا يحصلون على كل هذه الحقوق ،بل لم يدركوا أنها حقوقهم
طلب الرئيس من الصحفي الفرنسي أن يسأله عن كل ذلك قبل أن يتكلم عن الحقوق السياسية ،فهل يمكن أن نسأل نحن هذا السؤال؟
أين تلك الحقوق ؟ ومن المسؤول عن ضياعها طوال تلك السنين ؟ ولماذا لم تتم محاسبة من ضيعها ؟ وما هي الخطوات التي تمت لاستردادها؟
أسئلة لابد أن نستمر في البحث عن إجاباتها، وأول خطوات البحث أن ندرك أننا أصحاب حق، وأن الحق لا يؤجل ولا يتجزأ.
تم النشر بموقع الحوار المتمدن في 26 أكتوبر 2017

 

كلكم في الخصومة -اخوان-

قرأت تعليقا على مظاهرة نسائية يستنكر خروج النساء للتظاهر ،ويحمل التعليق بعض الكلمات المسيئة ويتهم الفصيل الذي ينتمين له بأنه "ليس به رجال".

للأسف لم يكن التعليق لأحد الاخوان بل كان لاحدى الناشطات المنتميات لحزب ليبرالي تعليقا على مظاهرة نسائية "اخوانية"!!!!!
نفس التهم التي كان الاخوان يرمون بها المتظاهرات ضدهم ،أصبحتم تطلقونها على من تخرج منهن لمعارضتكم
نعم كلكم تحملون "جينات"الأخوان
تبررون لمن ترضون عنه ،وتلقون التهم على من يعارضكم
تنزعون الوطنية عمن يخالفكم ....وهم ينزعون الاسلام عمن يختلف معهم
دماؤكم غالية ودماء خصومكم رخيصة ....شهداؤهم في الجنة وقتلى خصومهم في النار
كل شئ في شريعتكم مباح من أجل "الوطن"
وكل شئ في شريعتهم مباح من أجل "الدين"
لاترون من الشعب الا مؤيديكم
كما كانوا لايرون الا اتباعهم
اذا خرجت نساؤكم للميادين قلتم ثائرات مناضلات ،أما نساؤهم فلا يعرفن سوى جهاد النكاح
كذلك هم يرون نساءهم حرائر ونساءكم عورة
كل فريق يقف في مواجهة الآخر يدينه ويجرم أفعاله
والحقيقة ان كل منكم يقف أمام مرآة تعكس صورته هو
الحق عند كليكما تابع لمن ترضون عنه ..وميزان العدل يتأرجح وفقا لأهواء كل منكم
الأخوان كاذبون
وأنتم تفضحون أكاذيبهم بكذب مثله
أخرستم ألسنتهم التي تشيع العداوة والبغضاء عبر فضائياتهم
لكن تركتم قنواتكم تبث الحقد والكراهية
نعم أرفضهم لكني لا أرضى بكم
نشر بموقع الحوار المتمدن 28 يناير 2014

الدستور ليس هو الحل

 الحديث عن الدستورهو الشغل الشاغل للجميع هذه الأيام ،الكل متحفز يدافع عن الدستور ويدعو للتصويت بنعم بدعوى أن نعم للدستور هي نعم لثورة يونيو أو لثورتي يناير ويونيو ،أو أن نعم للدستور هي لا للارهاب الى آخر المبررات التي تروج للدستور.

ويحاول آخرون أن يكونوا أكثر موضوعية فيناقشون مواد الدستور لشرح أو تبرير "نعم"،ويبدي البعض اعتراضهم على بعض المواد لكنهم في النهاية ينتصرون لنعم ويرجئون اعتراضهم لاشعار آخر.
وهناك بالطبع من يدعو للرفض لعدم اقتناعه ،أو المقاطعة لمنع الشرعية عن ثورة يونيو وكل ماترتب عليها من نتائج.
المهم أن الجميع – مؤيد ومعارض- يرى أن هناك معركة ستحسم وفقا لنتيجة الدستور.
والغريب أن معارك الدستور وغزوات الصناديق لم تنته منذ تنحي مبارك (أو خلعه)،رغم أن خروج الجماهير كان ضد ظلم نظام مبارك وفساده ولم يكن ضد دستوره الذي كان الاستفتاء على تعديله أمر شديد الغرابة بعد سقوط النظام ،وكانت غزوة الصناديق الأولى التي أعلن المجلس العسكري وقتها أن نتيجة الاستفتاء بنعم تعني أن الشعب قال "نعم" للمجلس العسكري (ما أشبه الليلة بالبارحه)
ثم جاء الدستور المشوه في 2012 الذي لم تكتب له ولا لنظامه الحياة ،ويأتي حكم ثورة يونيو بتعديله –وليس اسقاطه- لندخل معركة أخرى حول نعم أو لا للتعديلات.
فهل كان خروج الجماهير على نظام مبارك رفضا لدستوره؟وهل كان عزل مرسي وجماعته من أجل دستورهم؟
لاتوجد دساتير فاسدة ولكن توجد حكومات فاسدة ،ليس هناك دستور ينص على الاستبداد ،لكن يوجد حكم مستبد ،أعظم الدول الديمقراطية ليس لديها دستور مكتوب لكن لديها من التقاليد والممارسات مايعلو فوق الدساتير.
فالدستور لايصنع دولة عادلة ولا حكما رشيدا ،انما الارادة السياسية والرقابة الجماهيرية هي من تفعل ذلك ،وليس هناك شك في أن اعظم النصوص يمكن اساءة استخدامها وتحويل أهدافها ،وليس أدل على ذلك مما فعله المبطلون من اساءة تفسير واستخدام نصوص القرآن الكريم لتبرير جرائمهم .
التحدي ليس لاقرار نص أو تبديله بآخر ،انما لاقرار حقوق الشعب التي لا تمنح بنص دستوري ،لكنه يكتسبها بوعيه في مواجهة كل من يحاول سلبه اياها تحت أي مسمى سواء ديني أو وطني
التحدي هو أن تكون مصلحة الجماهير هي هدف أي نظام (لايهم وصفه أو تسميته)
أن يمنع الظلم ويخضع الجميع لقانون واحد (أيا كان)
وليدرك أي نظام يأتي أن استمراره ليس مرهونا بتوافقه مع الدستور لكن بقدرته على استيعاب بركان الغضب الجماهيري .
نشر بموقع الحوار المتمدن 6 يناير 2014

الحوار وحرية الإعلام..حتى يصبح للحوار صوتًا

 منذ أكثر من عام تمت الدعوة لحوار وطني يهدف لإصلاح سياسي، تشارك فيه كل القوى وتمت دعوة السياسيين من مختلف الأحزاب والتوجهات السياسية وكذلك الشخصيات العامة وجمعيات المجتمع المدني وعلى مدار العام أعد المشاركون رؤيتهم فيما يتعلق بالقضايا الأساسية - كل من وجهة نظره- ومع بدء الحوار يترقب الجميع ما ستسفر عنه هذه الرؤى.

يرى البعض أن الحوار قد يكون خطوة على طريق التحول الديمقراطي في مصر ويرى آخرون أنه قد يؤدي لإيجاد حلول لكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بينما هناك من يرى أنه لن يؤدي سوى لإضاعة الوقت والإلهاء عن الأزمات الحقيقية التي نمر بها .

لن أستطيع في هذه اللحظة أن أنحاز بشكل كامل لأي من هذه الآراء فكلها أو بعضها يحتمل الصدق لكن ما يهمني في هذا المجال هو الاختبار الحقيقي الذي سيتعرض له الإعلام المصري خلال فترة انعقاد جلسات الحوار الوطني.

لا أقصد هنا القضايا المرتبطة بالإعلام التي سيجرى النقاش حولها سواء فيما يتعلق بالحريات العامة التي تندرج تحت المحور السياسي أو الثقافة والهوية الوطنية التي تندرج تحت المحور المجتمعي.

ما أعنيه هو أن الإعلام شريك أساسي في عملية الحوار، يعبر عن قضاياه ويعبر عن كل القضايا محور النقاش، يعرض الرؤى جميعها دون تعتيم أو انحياز.

فهل يستطيع إعلامنا القيام بهذا الدور؟

هل يمكنه نقل الجلسات والمناقشات ومتابعتها وعرض وجهات النظر المختلفة واستضافة المشاركين من كل التوجهات دون شروط مسبقة؟

هل تتاح جميع المواقع المحجوبة ليرى المواطن الصورة من كل الزوايا ثم يختار انحيازاته التي تتفق مع رؤيته وقناعته؟

هذا هو الاختبار الحقيقي، ليس للإعلام فقط ولكن لعملية الحوار بأكملها.

إذا استمر الحال في فرض الوصاية على المعلومات والأفكار بدعوى حماية النظام السياسي والنسق المجتمعي فلا داعي للحوار.

إذا استمر حظر المواقع لحماية المجتمع من الأفكار غير المرغوب فيها فلا داعي للحوار.

دعونا ننظر نظرة محايدة للإعلام المصري اليوم لنعرف أثر حرية التعبير على الاعلام:

  • هل الجمهور يثق في الاعلام؟
  • هل هناك إعلاميين مؤثرين في الرأي العام؟
  • من يتصدر المشهد الاعلامي وماتأثيره على المواطن؟
  • هل حجب المواقع منع الجمهور من الوصول لها ؟

لو أجبنا بصدق على هذه الأسئلة سنستطيع تحديد أسباب المشكلة التي نشعر بها جميعا، الإعلام متهم في نظر الجميع، لأنه في الحقيقة فقد القدرة على أداء وظيفته، فوظائف الاعلام : الإخبار، التعبير عن الآراء المختلفة، التعليم، التوجيه، التثقيف، كلها تحتاج لحرية الوصول للمعلومة ونقلها وإبداء الرأي فيها؟

كيف يقوم الاعلام بوظيفته في الإخبار وهو ممنوع من الوصول للمعلومة ومقيد في نقلها؟

كيف يعبر الاعلام عن الآراء المتنوعة مع فرض رأي واحد عليه؟ كيف يستطيع توصيل رسالة وهو مكمم؟

فقد الاعلام وظيفته فقام بها الجمهور وصار الاعلام تابعًا بدلا من أن يكون قائدًا

وحتى يستطيع الإعلام أن يؤدي دوره لابد من:

1-  عدم خضوع وسائل الإعلام لرقابة سابقة من جانب السلطة حتى في الظروف الاستثنائية كحالات الحرب والطوارئ إلا أضيق الحدود.

2-  تقييد - قدر الإمكان - مجال تدخل المشرع لإصدار تشريعات تجرم ما لا يستلزم صالح المجتمع تجريمه،

3- حق الأفراد والجماعات في إصدار الصحف دون اعتراض السلطة.

4- حرية وسائل الإعلام في استقاء الأنباء ونقلها وحرية الرجوع إلى مصادر المعلومات.

5- حرية التعبير عن الآراء وحق الجمهور في المعرفة.

نشر بموقع الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مايو 2023


حين نحاسب الضحية ونتسامح مع الجلاد


في مجتمعنا، جملة: “حسابه عند ربنا”. تُقال عندما يُذكر ظالم، أو يُطرح نموذج فجّ لإساءة واضحة. تُقال كأنها نهاية الحديث، أو كأنها إغلاق لباب المساءلة، لا فتح له. ومع تكرارها، تحوّلت هذه الجملة من تعبير عن التسامح، إلى ملاذ مريح للهروب من مسؤولية المواجهة.
لكن ما يلفت النظر حقًا، هو هذا التناقض الصارخ في استخدام الجملة نفسها.
فبينما نُسارع إلى إعفاء الظالم من أي حساب دنيوي، بدعوى أن حسابه مؤجل عند الله، نجدنا -في المقابل- نمارس أقسى أنواع المحاكمة تجاه شخص أنهى حياته. فجأة، نصبح قضاة، ونصدرالأحكام، ونُحلّل الدوافع، بل ونتعامل مع الأمر وكأنه جريمة مكتملة الأركان تستحق الإدانة العلنية.

نحن، ببساطة، نميل إلى التساهل مع من يملك القوة، ونقسو على من هزمه ضعفه.
نمنح الأول حصانة، ونجرّد الثاني حتى من حقه في الصمت.
نسرع بإدانة الشخص الذي أنهى حياته، دون أن نسأل: لماذا ومتى وكيف أعلن هزيمته أمام إرادة الحياة، وقرر التفريط في أعز ما يملك: نفسه.
وراء هذه النهاية، طبقات من الألم غير المرئي، محاولات صامتة للتماسك، وربما استغاثات لم تجد من يسمعها. ومع ذلك، نتجاوز كل هذا، ونختزل الحكاية في حكم قاطع، يصدر غالبًا بلا معرفة، وبلا رحمة.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ، هو:
ما الذي دفع إنسانًا إلى هذا القدر من اليأس؟
وأين كنا نحن:كأفراد ومجتمع من تلك الرحلة؟

إذا كان هناك من يستحق المساءلة، فهم الأحياء.

ليس فقط من مارسوا قسوة مباشرة، بل أيضًا من ساهموا بصمتهم، بتجاهلهم، أو بعجزهم عن مد يد العون في الوقت المناسب. فاليأس لا يتكوّن في لحظة، بل هو حصيلة تراكمات: كلمة جارحة، ضغط مستمر، شعور بالعجز، أو بيئة لا تمنح الإنسان مساحة للنجاة.
المفارقة المؤلمة أن من نُحاكمه بعد رحيله، لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، بينما من نُعفيهم وهم أحياء، لا يزالون يملكون القدرة على الفعل، والتأثير، وربما التكرار.
ليست الدعوة هنا إلى تبرير الانتحار، ولا إلى تجاهل خطورته،
بل إلى إعادة ترتيب بديهيات العدالة والرحمة داخلنا.
أن نتوقف عن إصدار الأحكام على من انتهت حكايتهم،
وأن نبدأ، بدلًا من ذلك، في مساءلة من ساهم في نهايتها.
ربما لن نصل دائمًا للإجابات الكاملة، لكن أقل ما يمكن أن نملكه هو قدر من التواضع الإنساني، ومحاولة التعرف على الحقيقة والقدرة على الصمت حين نفشل في أن نعرف،
ورغبة حقيقية في أن نكون أقل قسوة… وأكثر انتباهًا.
رحم الله أمواتنا جميعًا.

نشر بموقع آخر الكلام مايو 2026

 

هل نعود إلى عصر ما قبل السياسة؟

في كل مرة أتابع فيها تطورًا جديدًا في المنطقة أو في العالم، يزداد اقتناعي بأننا لا نعيش فقط أزمة في العلاقات الدولية، بل أزمة في مفهوم وقواعد السياسة نفسها.

فما نشهده اليوم لا يشبه العالم الذي عرفناه لعقود، حيث كانت الخلافات تُدار عبر التفاوض.

كانت المؤسسات الدولية تُمنح – ولو شكليًا – دورًا في احتواء النزاعات.

وكانت القوى الكبرى تحرص على إضفاء غطاء سياسي أو قانوني أو أخلاقي على سياساتها.

أما الآن، فيبدو أن كل ذلك يتراجع أمام مشهد أكثر بساطة وأكثر قسوة:

من يملك القوة يفرض ما يريد، ومن لا يملكها يُطلب منه التكيف مع النتائج.

يكفي أن ننظر إلى عدد من الملفات الدولية خلال السنوات الأخيرة لنلاحظ كيف تراجع منطق السياسة لصالح منطق القوة.

ففي غزة، بدا العالم عاجزًا عن تحويل القانون الدولي وقرارات المؤسسات الدولية إلى آليات فعلية لوقف الحرب وحماية المدنيين.

وبينما كانت الإدانات والنداءات تتوالى، كانت الوقائع على الأرض تُحسم بالقوة العسكرية.

و رغم اتهام المحكمة الجنائية الدولية لبنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصدور مذكرات توقيف بحقهما، ظلت مذكرات التوقيف حبيسة الأدراج، بينما بقي المتهمون أحرارًا يمارسون أدوارهم السياسية والعسكرية.

وبقي السؤال الحقيقي:

هل يمتلك النظام الدولي الإرادة والقدرة على تنفيذ ما يصدر عن مؤسساته القضائية؟

وهنا تتجلى الأزمة بوضوح

فحين تصبح قرارات أعلى المؤسسات القضائية الدولية رهينة الحسابات السياسية وموازين القوى.

فإن الرسالة التي تصل إلى العالم هي أن القانون لا يُطبق بعدالة، وإنما بانتقائية تقررها موازين المصالح والنفوذ، وهو ما يشير إلى انتهاء صلاحية القانون نفسه.

في الملف الإيراني، تراجعت فرص الحلول السياسية أمام منطق الردع والتهديد والضربات المتبادلة.

وأصبح الحديث عن القوة العسكرية أكثر حضورًا من الحديث عن التسويات الدبلوماسية القادرة على معالجة جذور الأزمة.

في فنزويلا.

كشفت سنوات الصراع السياسي كيف أصبحت القوى الكبرى تتعامل مع الأزمات الداخلية للدول من منظور المصالح والنفوذ والتوازنات لا باعتبارها قضايا تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كان يتم الترويج له سابقًا .

هذه الأمثلة.

و ما يحدث في أوكرانيا وغيرها من بؤر الصراع تشير إلى اتجاه واحد:

تراجع قدرة السياسة على إدارة النزاعات، وتقدم منطق القوة بوصفه الأداة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الواقع الدولي.

لم يعد السؤال :ما هو الحل السياسي الممكن؟

بل: من يملك القدرة على فرض رؤيته على الأرض؟

الأخطر من ذلك أن القانون الدولي نفسه أصبح عاجزًا عن أداء وظيفته.

فالمواثيق موجودة، والمؤسسات قائمة، والقرارات تصدر، لكن تأثيرها الفعلي يتضاءل كلما تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.

ولم تعد الولايات المتحدة وغيرها من القوى المؤثرة في النظام الدولي تبذل الجهد نفسه لإخفاء مصالحها خلف سرديات الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو نشر القيم .

بل أصبح الحديث عن المصالح والنفوذ والممرات التجارية ومناطق التأثير أكثر صراحة من أي وقت مضى.

وكأن العالم يتخلى تدريجيًا عن اللغة السياسية التي سادت لعقود ليعود إلى منطق القوة في صورته الأكثر مباشرة.

ربما بدأ هذا المسار مع نهاية الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، لكنه تسارع بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة مع صعود قوى جديدة، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، واتساع نطاق الصراعات المفتوحة.

المشكلة أن عالمًا تحكمه القوة وحدها هو عالم أكثر اضطرابًا وأقل استقرارًا.

فالقوة تستطيع فرض الوقائع، لكنها لا تستطيع إنتاج العدالة، ولا بناء الشرعية، ولا معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات.

ولهذا فإن ما يبدو انتصارًا للقوة اليوم قد يتحول غدًا إلى مصدر جديد للفوضى وعدم الاستقرار.

يبقى السؤال:

هل نعيش مرحلة عابرة من اختلال التوازنات الدولية ستستعيد بعدها السياسة دورها وتنتصر لمبادئها ؟

أم أننا أمام تحول تاريخي أعمق، يتراجع فيه منطق السياسة والتفاوض لصالح منطق القوة وفرض الأمر الواقع؟

إذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نشهد مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل عميقة للقواعد الدولية التي تأسس عليها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فأي نظام عالمي جديد ستفرزه هذه التحولات؟

نشر بموقع آخر الكلام في مايو 2026