الجمعة، 26 يونيو 2026

وحدات حماية المرأة: اختبار المواطنة والعدالة في سوريا الجديدة

وحدات حماية المرأة: اختبار المواطنة والعدالة في سوريا الجديدة

حين نتحدَّث عن أوضاع المرأة في شمال وشرق سوريا، فإنَّنا لا نتحدَّث فقط عن قضيّّة تخصُّ النّساء، ولا عن تجربة محلّيَّة معزولة، بل نتحدّث عن جزء من معركة أكبر تتعلّق بشكل الدَّولة والمجتمع ومستقبل الحقوق والحرّيَّات في سوريا وربَّما في المنطقة كلّها.

خلال السَّنوات الماضية، استطاعت المرأة في روج آفا أنْ تحقّق حضوراً لافتاً في المجالين السّياسي والاجتماعي،  وأنْ تفرض نفسها شريكاً في صنع القرار وفي إدارة الشَّأن العام، و برزت نماذج غير مألوفة في المنطقة لمشاركة النّساء في المؤسّسات المدنيَّة والعسكريَّة. لكنّ السُّؤال الأهمّ اليوم ليس ما الّذي تحقّق، بل كيف يمكن حماية ما تحقّق؟.

وفي هذا السّياق، تكتسب وحدات حماية المرأة أهميّة تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهذه الوحدات لم تكن مجرّد تشكيل نشأ في ظروف الحرب، بل أصبحت تعبيراً عن قدرة النّساء على المشاركة في الدّفاع عن مجتمعاتهنَّ، وكسر الصَّور النَّمطيَّة الّتي حصرت أدوارهنَّ لعقود طويلة. لذلك فإنَّ الحفاظ على وجود هذه الوحدات، وعلى الدّور والخبرة والتَّمثيل الّذي راكمته النّساء من خلالها، يمثّل ضرورة لحماية أحد أبرز الإنجازات الّتي تحقّقت خلال السَّنوات الماضية. فالقضيَّة ليست قضيّة تشكيل عسكري فقط، لكنَّها قضيَّة اعتراف بدور المرأة كشريك كامل في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء مستقبله. وأيّ ترتيبات سياسيَّة أو مؤسّسيَّة تتجاهل هذا الواقع أو تؤدّي إلى تهميش النّساء داخل المؤسّسات الأمنيَّة والدّفاعيَّة، ستكون خطوة إلى الوراء على طريق المساواة والشّراكة والمواطنة المتساويَّة.

وقد أثبتت وحدات حماية المرأة خلال السَّنوات الماضية أنَّ مشاركة النّساء في الدّفاع عن المجتمع ليست مجرّد شعار أو مطلب حقوقي، بل واقع عملي أثبت كفاءته على الأرض. فقد شاركت هذه الوحدات في مواجهة التَّنظيمات المتطرّفة وحماية المجتمعات المحلّيَّة، وفي الوقت نفسه قدَّمَتْ نموذجاً جديداً للمرأة الفاعلة والقادرة على تحمُّل المسؤوليَّة واتّخاذ القرار. ولذلك فإنَّ أهمّيَّة هذه التَّجربة لا تكمن فقط في بعدها العسكري، وإنَّما في ما أحدثته من تحوّل اجتماعي وثقافي أعاد تعريف دور المرأة بوصفها شريكاً كاملاً في حماية المجتمع وبناء مستقبله.

غير أنّ أهمّيَّة أيّ تجربة لا تُقاس فقط بما تحقّقه في لحظة معيّنة، وإنَّما بقدرتها على الاستمرار والصّمود أمام التَّحوّلات السّياسيَّة، فالحقوق لا تصبح راسخة لمجرّد وجودها في القوانين أو الهياكل التَّنظيميَّة  وإنَّما بقدرتها على التَّحوّل إلى جزء من الثقافة المجتمعية ومن بنية الدّولة نفسها. فالتجارب الإنسانية علّمتنا أنّ الحقوق التي لا تجد سنداً قانونيَّاً ومجتمعيَّاً ومؤسّسيَّاً قويّاً تظلّ عرضةً للتَّراجع كلّما تغيّرت موازين القوى أو تبدّلت الظّروف السياسيَّة.

ومن هنا تبدو المخاطر الّتي تهدّد مكتسبات المرأة في روج آفا مرتبطة إلى حدٍّ كبير بالمشهد السُّوري العام. فمع كلّ حديث عن ترتيبات سياسيَّة جديدة أو إعادة تشكيل مؤسّسات الدَّولة، يبرز خطر التَّعامل مع حقوق النّساء باعتبارها ملفاً ثانويَّاً يمكن تأجيله أو المساومة عليه لصالح أولويّات أخرى توصف بأنَّها أكثر إلحاحاً.

كما أنَّ صعود الخطابات المحافظة والمتشدّدة في أجزاء مختلفة من المنطقة يمثّل تحدّيَّاً إضافيّاً، خاصّةً حين يتمُّ تقديم مشاركة المرأة في الحياة العامّة باعتبارها استثناءً أو تهديداً للقيم الاجتماعيَّة، لا حقاً أصيلاً من حقوق المواطنة.

لكنَّ الخطر الأكبر ربَّما لا يكمن فقط في التَّهديدات السّياسيَّة أو الفكريَّة، وإنَّما في البيئة العامّة الّتي أنتجتها سنوات الحرب الطَّويلة، بيئة تراجعت فيها قيمة القانون، وازداد فيها حضور القوّة والسّلاح، وتآكلت فيها فكرة المحاسبة.

ولعلّ الأرقام الّتي توثّق تصاعد العنف ضدَّ النّساء في سوريا تعكس جانباً من هذه الأزمة. فحين يوثّق المرصد السُّوري لحقوق الإنسان مقتل عشرات النّساء خلال أشهر قليلة، فإنَّ القضيَّة لا يمكن اختزالها في جرائم فرديَّة أو حوادث متفرّقة. نحن أمام ظاهرة لها جذور أعمق ترتبط بتفكُّك البُنى الاجتماعيَّة، وانتشار العنف، وتدهور الأوضاع الاقتصاديَّة، وضعف مؤسّسات الحماية والعدالة.

لقد خلّفت الحرب السُّوريَّة إرثاً ثقيلاً من العنف. فالمجتمعات الّتي تعيش سنوات طويلة تحت وطأة الصّراع لا تخرج منه كما دخلت، العنف الّذي يبدأ في المجال العام ينتقل تدريجيَّاً إلى المجال الخاصّ، وتصبح القوّة وسيلة معتادة لحلّ النّزاعات وفرض الإرادة. وفي مثل هذه الظَّروف، تصبح النّساء  من أكثر الفئات تعرُّضاً للانتهاكات.

إلى جانب ذلك، فإنَّ استمرار بعض الأنماط الثَّقافيَّة الّتي تنظر إلى المرأة باعتبارها أقلّ استقلالاً أو أقلّ أهليّة لاتّخاذ القرار بشأن حياتها، يسهم في توفير غطاء اجتماعي غير مباشر للعنف القائم على النَّوع الاجتماعي، ويجعل مقاومته أكثر صعوبة.

غير أنَّ العامل الحاسم في استمرار هذه الانتهاكات يبقى غياب العدالة، فلا يمكن فصل تصاعد العنف ضدَّ النّساء عن غياب مشروع حقيقي للعدالة الانتقاليَّة في سوريا، المحاسبة ليست مطلباً انتقاميَّاً، بل ضرورة مجتمعيَّة لمنع تكرار الجرائم. فعندما تمرُّ الانتهاكات الكبرى دون كشف للحقيقة أو مساءلة للمسؤولين عنها، يعتاد النَّاس رؤية العنف دون أنْ يروا عدالة تُنصف الضَّحايا أو تُحاسب الجناة، عندها تتراجع الثّقة في القانون وتصبح الانتهاكات أكثر قابليّة للتكرار.

العدالة الانتقاليَّة ليست رفاهيَّة سياسيَّة، بل شرط أساسي لبناء مجتمع آمن، فهي تقوم على كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضّرّر، وإصلاح المؤسّسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ومن دون ذلك، يبقى العنف قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، من المجال السّياسي إلى المجال الأسري والاجتماعي، كما أنَّ العدالة الانتقاليَّة ليست قضيَّة تخصّ ضحايا الحرب وحدهم، بل قضيَّة تتعلّق بمستقبل المجتمع كلّه. ومن دونها ستظلُّ دائرة العنف مفتوحة، وسيبقى ضحايا جدد يدفعون ثمن جرائم قديمة لم تجد طريقها إلى المحاسبة

إنَّ حماية مكتسبات المرأة في روج آفا، أو في أيّ جزء من سوريا، لا تتحقّق فقط من خلال الحفاظ على بعض الهياكل أو التَّرتيبات الإداريَّة، بل من خلال بناء دولة مدنيَّة  ديمقراطيَّة تقوم على المواطنة  والمساواة وسيادة القانون، دولة تكون فيها حقوق النّساء جزءاً من العقد الاجتماعي نفسه، لا استثناءً تمنحه السَّلطة ثمَّ تنتزعه الظَّروف.

في النهاية، يبقى وضع المرأة أحد أكثر المؤشّرات دلالة على طبيعة أيّ مجتمع. فحين تتراجع حقوق النّساء، يكون ذلك إنذاراً بتراجع أوسع في قيم الحرّيَّة والعدالة. وحين تُصان هذه الحقوق وتُحمى، فإنَّ المجتمع كلّه يكون أكثر قدرة على بناء مستقبل قائم على الشَّراكة والكرامة الإنسانيَّة.

لذلك فإنَّ الحفاظ على وحدات حماية المرأة، وعلى الدَّور والتَّمثيل والخبرة الّتي راكمتها النّساء من خلالها، لا يتعلّق بمصير تشكيل بعينه، بل بمصير فكرة أوسع: فكرة أنْ تكون المرأة شريكاً كاملاً في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء الدَّولة. ومن هذه الزَّاويَّة، يصبح الدّفاع عن هذه التَّجربة دفاعاً عن المواطنة والمساواة والعدالة وعن حقّ جميع المواطنين في العيش داخل مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً وإنسانيّة.

نشر بوكالة أنباء الفرات يونيو 2026

المرأة في مواجهة العنف العالمي: نضال من أجل الحياة والحرية

 

المرأة في مواجهة العنف العالمي: نضال من أجل الحياة والحرية

 

الثامن من مارس.. يوم يحتفل فيه العالم بالمرأة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات عن واقع المرأة وحريتها.

 يوم تتلاقى فيه الكلمات الكبرى مثل المساواة والعدالة مع الحقائق الصعبة التي تعيشها ملايين النساء كل يوم.

 يوم يتناغم فيه الاحتفاء مع الصمت، ويصعب أحيانًا تمييز الفرح من الألم، والاعتراف من التهميش.

ففي كل زاوية من العالم، لا تزال النساء يواجهن أشكالًا متعددة من العنف والتمييز؛ في البيوت، وأماكن العمل، والفضاء العام، بل وأحيانًا في القوانين والسياسات التي يفترض أن تحميهن. وفي الوقت نفسه، تظل النساء شاهدة ومقاومة وصانعة حياة، لا تنتظر من أحد أن يمنحها الحرية، بل تصنعها بجهودها اليومية وإرادتها المستمرة.

هذا التناقض بين الاحتفال والواقع ليس جديدًا، لكنه يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عالم يعيش أزمات متلاحقة. فالحروب الممتدة في مناطق عديدة، والأزمات الاقتصادية التي تضرب المجتمعات، وصعود الخطابات المتشددة في كثير من البلدان، كلها عوامل أعادت طرح أسئلة قديمة حول مكانة المرأة وحدود حريتها ودورها في المجتمع. وفي قلب هذه التحولات غالبًا ما تجد النساء أنفسهن في الصفوف الأولى لدفع الثمن.

العنف ضد النساء ليس ظاهرة جديدة، لكنه لا يزال أحد أكثر أشكال الظلم انتشارًا في العالم. تشير تقارير دولية إلى أن ملايين النساء يتعرضن سنويًا للعنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وغالبًا ما يحدث ذلك داخل فضاءات يفترض أن تكون آمنة مثل المنزل أو مكان العمل. وفي كثير من الحالات لا يصل هذا العنف إلى ساحات العدالة، إما بسبب الخوف أو الصمت الاجتماعي أو ضعف القوانين.

ولا يقتصر العنف على الاعتداء الجسدي فقط، بل يمتد إلى أشكال أخرى أكثر خفاءً، مثل التمييز الاقتصادي، أو حرمان النساء من فرص العمل المتكافئة، أو التقليل من قدراتهن المهنية، أو استبعادهن من مواقع صنع القرار. وفي عصر التكنولوجيا ظهرت أيضًا أشكال جديدة من العنف الرقمي مثل التشهير والابتزاز والتحرش عبر الإنترنت، وهو ما وسّع نطاق الأذى ليصل إلى الفضاء الافتراضي.

وفي أوقات الأزمات الكبرى تتضاعف هذه التحديات. فالحروب والصراعات المسلحة تترك آثارًا قاسية على المجتمعات عمومًا، لكنها غالبًا ما تضرب النساء بشكل خاص. ففي مناطق النزاع تتعرض النساء للنزوح القسري ويفقدن مصادر الدخل والاستقرار، ويتحملن مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسر في ظروف شديدة الصعوبة. كما يُستخدم العنف الجنسي أحيانًا كسلاح في الحروب لترهيب المجتمعات أو كسرها.

ورغم ذلك، كثيرًا ما تُستبعد النساء من عمليات صنع القرار المتعلقة بالحرب والسلام. ففي الوقت الذي يتحملن فيه تبعات الصراع اليومية، لا يجدن غالبًا مكانًا على طاولات التفاوض أو في خطط إعادة الإعمار، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في فهم دور النساء في المجتمع والسياسة.

في هذا السياق اكتسب شعار المرأة، الحياة، الحرية حضورًا عالميًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاحتجاجات التي أعقبت مقتل مهسا أميني عام 2022. لم يكن هذا الشعار مجرد كلمات ملهمة، بل صياغة مكثفة لفكرة عميقة: أن حياة المجتمع لا يمكن أن تزدهر إذا كانت حياة النساء مهددة، وأن الحرية لا يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كانت حقًا للجميع.

فالمرأة ليست فقط نصف المجتمع كما يقال كثيرًا، بل هي أحد أعمدته الأساسية. هي التي تحمل عبء الحياة اليومية وتدير تفاصيلها الصغيرة، وتشارك في بناء المجتمعات اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. ومع ذلك كثيرًا ما تجد نفسها في موقع هش يواجه العنف أو التمييز أو التهميش.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدو هذه التحديات أكثر تعقيدًا. فالمنطقة تعيش منذ سنوات طويلة تحت وطأة صراعات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، تركت آثارًا عميقة على المجتمعات، وكانت النساء من أكثر الفئات تأثرًا بها. ففي بعض البلدان ما زالت النساء يواجهن قيودًا قانونية واجتماعية تحد من حريتهن في العمل أو الحركة أو المشاركة السياسية، بينما وجدت ملايين النساء في بلدان أخرى مزقتها الحروب أنفسهن أمام واقع قاسٍ من النزوح والفقر وفقدان الأمان.

لكن رغم كل أشكال العنف والتمييز، أثبتت النساء أنهن لسن مجرد متلقّيات للأذى، بل فاعلات أساسيات في التغيير. في المجتمعات المحلية، تقود النساء مبادرات التضامن الاجتماعي. في الحركات الديمقراطية، كنّ في الصفوف الأمامية. في ميادين العمل العام، قدّمن نماذج قيادية أثبتت كفاءة عالية وقدرة على إدارة الأزمات.

إن الاعتراف بدور النساء لا يجب أن يقتصر على الإشادة الرمزية، بل يجب أن يتحول إلى تمكين فعلي: تمكين سياسي يضمن تمثيلًا عادلًا، وتمكين اقتصادي يفتح الأبواب أمام الفرص، وتمكين ثقافي يعيد صياغة الصورة النمطية للمرأة في الإعلام والتعليم والخطاب العام.

وتشهد المنطقة حضورًا نسائيًا متزايدًا في المجال العام. فقد لعبت النساء أدوارًا بارزة في الحركات الاجتماعية والديمقراطية، وشاركن في مبادرات المجتمع المدني، ورفعن أصواتهن دفاعًا عن العدالة والكرامة والمساواة.

ومن بين التجارب اللافتة في هذا السياق تجربة النساء الكرديات، اللواتي قدّمن نموذجًا مهمًا في الربط بين النضال من أجل حقوق النساء والنضال من أجل الحرية والديمقراطية. فقد لعبت المرأة الكردية دورًا بارزًا في الحركات الاجتماعية والسياسية وفي الدفاع عن مجتمعاتها في أوقات الصراع، كما ساهمت في بناء نماذج تنظيمية جديدة تقوم على مشاركة النساء في القيادة وصنع القرار.

وفي مصر، لم يكن نضال النساء من أجل الحرية والمساواة منفصلًا عن النضال الوطني الأوسع. فمنذ بدايات القرن العشرين لعبت المرأة المصرية دورًا بارزًا في الحركة الوطنية. ففي ثورة 1919 خرجت النساء إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة للمطالبة بالاستقلال، وكانت رائدات مثل هدى شعراوي وسيزا نبراوي وصفية زغلول من بين النساء اللاتي أسسن لحركة نسوية مصرية ربطت بين تحرير الوطن وتحرير المرأة.

وقد استمر هذا الحضور النسائي في لحظات التحول الكبرى في التاريخ المصري المعاصر. ففي ثورة 25 يناير كانت النساء في الصفوف الأولى للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وشاركن في الاحتجاجات والعمل المجتمعي والإعلامي، وأسهمن في الحفاظ على الطابع السلمي للحراك الشعبي. ولم يتوقف هذا الدور عند تلك اللحظة التاريخية، بل تواصل حضور المرأة المصرية في المجال العام، وتنامى تأثيرها بوصفها فاعلًا أساسيًا في الحياة السياسية والاجتماعية.

إن هذا التاريخ الطويل من المشاركة النسائية في النضال الوطني والاجتماعي يؤكد أن قضية المرأة لم تكن يومًا قضية هامشية، بل كانت دائمًا جزءًا من معركة أوسع من أجل الحرية والعدالة.

فالمجتمعات التي تتيح فرصًا متساوية للنساء والرجال تكون عادة أكثر استقرارًا وازدهارًا، لأن المساواة توسع دائرة المشاركة وتتيح الاستفادة من كامل الطاقات البشرية المتاحة. ولهذا، لم يعد الدفاع عن حقوق النساء مجرد مطلب أخلاقي أو شعار نظري، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء مجتمعات عادلة، واقتصاد قوي، وديمقراطية حقيقية، حيث ينعكس تمكين المرأة مباشرة على استقرار المجتمعات ونموها وتطورها المستدام.

إن المجتمعات التي تحمي النساء من العنف وتضمن لهن المساواة في الحقوق لا تحقق العدالة فحسب، بل تبني أيضًا أساسًا أكثر صلابة للمستقبل. فالأطفال الذين ينشأون في بيئات تحترم النساء يتعلمون منذ البداية قيم المساواة والكرامة الإنسانية، وهو ما ينعكس فيما بعد على شكل المجتمع كله.

واليوم، ونحن نتأمل واقع النساء في العالم، قد يبدو الطريق طويلًا وربما مليئًا بالعقبات. لكن التاريخ يثبت أن التقدم في مجال حقوق النساء كان دائمًا نتيجة لنضالات طويلة وإصرار متواصل.

في تحالف ندى، نؤمن أن الدفاع عن حقوق النساء ليس ملفًا جانبيًا، بل هو قلب مشروعنا الديمقراطي الاجتماعي.
نؤمن أن العدالة الجندرية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وأن تمكين النساء سياسيًا واقتصاديًا هو شرط للاستقرار والسلام.

لذا نسعى ونطالب بـ :

  • تشريعات رادعة لكل أشكال العنف ضد النساء.
  • سياسات حماية اجتماعية واقتصادية للنساء، خصوصًا في مناطق النزاع والهشاشة.
  • تمثيل عادل وفعّال للنساء في مواقع صنع القرار.
  • تغيير ثقافي طويل المدى يبدأ من التعليم والإعلام والخطاب الديني.

في النهاية يذكّرنا اليوم العالمي للمرأة بأن قضية النساء ليست مسألة هامشية، بل جزء أساسي من معركة أوسع من أجل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

فحين تكون المرأة آمنة يصبح المجتمع أكثر أمانًا.
وحين تكون حرة تتسع مساحة الحرية للجميع.
وحين تُحترم كرامتها يصبح العالم مكانًا أكثر إنسانية.

ولهذا يبدو شعار المرأة، الحياة، الحرية أكثر من مجرد كلمات، فهو وعد بعالم أكثر عدلًا وإنسانية.

نشر في العدد الأول من رؤية المرأة إبريل 2026

المرأة في السباق الانتخابي.. مسؤولية الصوت لا عاطفة النوع

 

المرأة في السباق الانتخابي.. مسؤولية الصوت لا عاطفة النوع

 

المرأة التي تقرر خوض السباق الانتخابي لا تتجه نحو ساحة تنافس متكافئة، بل تقتحم مجالًا احتكره الرجل، كغيره من المجالات، عهودًا طويلة، وهي بذلك تحمل على كتفيها أعباءً مضاعفة.
تخضع لنظرة فاحصة متحيزة، تُساءل فيها عن كل شيء: من طموحها إلى مظهرها، ومن كفاءتها إلى اختياراتها الخاصة.

هذا بالإضافة للمعوقات الأخرى التي يشترك فيها المرشحون جميعًا، رجالًا ونساءً، مثل عوار النظام الانتخابي وعدم توازن تقسيم الدوائر، واستخدام المال السياسي والنفوذ العائلي أو القبلي، بالإضافة لضعف الحياة الحزبية ما يجعل دعم الأحزاب لمرشحيها محدود الأثر، كما أن غياب التنافس الحزبي الحقيقي، وتراجع الاهتمام بالشأن العام، يدفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى اختيار الأفراد بناءً على اعتبارات شخصية أو محلية، لا على أساس البرامج أو المواقف السياسية، بالإضافة لضعف الاهتمام وضعف الثقة في العملية الانتخابية بل وجدوى المشاركة السياسية من الأساس.

وفوق هذه العقبات المشتركة، تواجه النساء تحديات إضافية لكونهن نساء، ما يجعل كل خطوة نحو الترشح معركة أخرى وتحد جديد يضاف للتحديات السابقة يتمثل في الاعتراف بحق المرأة في الوجود السياسي، والمنافسة العلنية، وصناعة القرار.

رغم ذلك، لا أرى - ولا ينبغي أن نرى- أن تكون هذه الصعوبات، بكل قسوتها، ذريعة تجعل المرأة تطالب الناخبات بدعمها أو التحيز لها فقط لكونها امرأة، فالإنصاف لا يعني تبديل مواقع التحيّز، بل يقتضي إزالة التحيّز من أساسه.

العدالة لا تعني استبدال التحيّز ضد النساء بتحيّز لهن، بل تعني بناء معايير موضوعية تُطبَّق على الجميعلا يصح أن نطالب الناخبات بمنح أصواتهن للمرشحات لمجرد أنهن نساء، تمامًا كما لا نقبل إقصاء المرأة لهذا السبب.
فالتمثيل السياسي لا ينبغي أن يقوم على النوع وحده، بل على الكفاءة والقدرة والرؤية الواضحة.

فبعض المرشحات، رغم انتمائهن لقضية عادلة، قد يفتقرن إلى البرامج الجادة أو يتبنين مواقف تعيد إنتاج ما نسعى لتجاوزهودعمهن بدافع التضامن الجندري فقط لن يخدم الهدف، بل قد يضر بالقضية نفسها، حين يتحوّل التمثيل إلى واجهة شكلية لا تغيّر شيئًا في جوهر السياسات أو في واقع الناس..

التمثيل الحقيقي لا يعني مجرد وجود امرأة على المنصة، بل وجود امرأة تمثل بالفعل قضايا الناس، تملك رؤية واضحة، وتتمتع بالقدرة والجرأة على اتخاذ القرار، وتملك الشجاعة للانحياز لما تؤمن به، لا لما يُملى عليها.

أما التمثيل الشكلي، فضرره لا يقل عن الإقصاء، لأنه يمنح شرعية زائفة لواقع لم يتغير، ويحوّل المرأة في دوائر صنع القرار إلى حضور رمزي لا يتجاوز اسمها أو صورتها، بصرف النظر عن مواقفها أو أدائها.

التحدي الحقيقي هو أن تنظر المرأة الناخبة -كما الرجل- إلى المرشحين بعين ناقدة، عادلة، وواعية. أن تُدرك حجم العراقيل التي تواجه النساء، دون أن تغض الطرف عن ضعف الأداء أو ضبابية المواقف. نحن نريد نساءً في مواقع القرار، نعم، لكننا نريدهن مؤهلات، قادرات، وممثلات حقيقيات لأصوات الناس وهمومهم.

وإذا كان المجتمع ما يزال يضع عشرات الحواجز أمام المرأة، فإن التصويت الواعي -لا التحيز الأعمى- هو السبيل الأكثر صدقًا لكسر تلك الحواجز، واحدة تلو الأخرى.

ليس المطلوب من المرأة الناخبة أن تصوّت للمرأة، بل أن تفكر وتُقيّم وتُحاسبفدعم النساء المؤهلات هو فعل سياسي ناضج، لا موقف عاطفي، والمساءلة لا تُضعف التضامن، بل تمنحه معناه الحقيقي وقيمته.

بهذا فقط نبني سياسة عادلة لا تحابي ولا تُقصي، بل تفتح المجال لمن يستحق، أيًا كان جنسه أو خلفيته، ما دام مؤمنًا بحق الناس في أن يكون لهم تمثيل حقيقي، ويسعى بصدق إلى التغيير.

نشر بموقع فكر تاني 28ى يونيو 2025

 

المرأة والانتخابات.. تغيير لا تجميل

 

المرأة والانتخابات.. تغيير لا تجميل

مشاركة المرأة في الانتخابات ليست ترفًا ديمقراطيًا، أو وجهًا لتجميل المشهد السياسي. إنها، ببساطة، أساس معركة التغيير ، الذي لن يُكتب لها النجاح دون مشاركة كاملة وواعية من كل فئات المجتمع .

لقد عانت المرأة من التهميش على جميع المستويات: اجتماعيًا بفعل الثقافة الذكورية، وسياسيًا عبر تمثيل رمزي مفرغ من التأثير، إلا أن تحولات الواقع تفرض تجاوز هذا التهميش، لتصبح المشاركة الحقيقية للمرأة جزء لا يتجزأ من المشروع الديمقراطي، المرتبط بتحقيق العدالة.

انتخابات تُقصى فيها النساء عن الترشح الجاد، أو تُستبعد أصواتهن بالتهميش أو التوجيه أو التلاعب، لا يمكن أن تفرز تمثيلًا شعبيًا حقيقيًا، ولا أن تعبّر عن مجتمع حيّ. فالمرأة لا تنتخب فقط من يشبهها بيولوجيًا، بل من يمثّل قضاياها وقيمها وحقوقها. وهذه الحقوق، في جوهرها، لا تنفصل عن قضايا التعليم والصحة والعمل والعدالة والمساواة.

من هذا المنطلق، فإن دعم النساء في الانتخابات لا يجب أن يظل مجرد مطلب "نسوي" موجه للنساء وحدهن، بل هو التزام سياسي لكل من يؤمن بالديمقراطية والمواطنة . تمكين النساء من المشاركة ليس منّة من حزب أو نظام، بل بوعي مجتمعي بضرورة أن تُدار الدولة بعقول وخبرات تمثّل كل فئات الشعب.

لانحتاج إلى نساء يُقدّمن في الحملات الانتخابية كديكور رمزي، بل نحتاج قائدات ومفكرات ومشرّعات يدافعن عن مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا. نحتاج برلمانات تُشرّع القوانين بعيون ترى النساء مواطنات كاملات لا تختزل دورهن في الرعاية، بل تعترف بكفاءتهن في القيادة والتشريع.

فرغم التقدم الذي تحقق في العقود الأخيرة على مستوى تمثيل المرأة ، لا يزال التأثير السياسي الفعلي للنساء دون المستوى المطلوب. فمشاركة المرأة في الحياة السياسية يجب ألا يكون هدفه الوفاء بإلتزام دستوري أو اتفاقيات دولية بل يجب أن ينبع من إيمان حقيقي بأحقية المرأة وقدرتها على المشاركة التي تمثل  ضرورة حيوية لضمان  ديمقراطية حقيقية.

ولا يمكن الحديث عن تمكين سياسي للمرأة دون الربط بينه وبين التمكين الاقتصادي والاجتماعي. فامرأة تعاني من الفقر، أو تُحرم من التعليم، أو تُقصى من سوق العمل، يصعب أن تكون فاعلة في المجال العام. ولهذا، فإن أي استراتيجية لزيادة المشاركة السياسية للنساء يجب أن تكون جزءًا من إصلاح اجتماعي واقتصادي أوسع.

ومن الخطوات التي تؤدي لتعزيز دور المرأة في الحياة السياسية:

تطوير "كوتة" ملزمة ومؤقتة تشمل التمثيل الحزبي والمناصب التنفيذية.

كسر الصورة النمطية للمرأة في الإعلام، وتقديم نماذج نسائية ملهمة.

ترسيخ قيم المساواة في التعليم منذ المراحل الأولى

ربط التمكين الاقتصادي بمسارات تشجع على المشاركة السياسية.

تبني الأحزاب السياسية سياسات داخلية واضحة لتمكين النساء، وتوفير برامج تدريب فعالة تؤهلهن للمنافسة السياسية والانتخابية.

إن مشاركة المرأة في الحياة السياسية  ليست هامشًا يُضاف إلى متن السياسة، بل هي صلب المعادلة.

وحين يرتفع صوت النساء، لا يعلو الصوت النسوي فقط، بل يرتفع منسوب الحرية كله.

نشر بموقع فكر تاني 10 يونيو 2025

الإعلام بين التوعية والتعبئة

  الإعلام بين التوعية والتعبئة

في زمن تتسارع فيه المعلومات، وتتداخل فيه الحقيقة مع الزيف، يصبح الإعلام الجاد ليس مجرد أداة لنقل الأخبار، بل ضرورة لضمان استقرار المجتمعات وحماية وعيها. لا أبالغ حين أقول إن الإعلام المهني الشفاف هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات، لا بعد ظهورها فقط، بل قبل أن تنبت وتتشكل.

المجتمع الذي لا تُتاح فيه المعلومة الدقيقة، ولا يُحترم فيه حق المواطن في المعرفة، هو مجتمع هش، مهيأ لتصديق أي رواية بديلة، مهما كانت عبثية. فعندما  يوجد فراغ في المعرفة، تتسلل الأكاذيب، وتتحول إلى قناعات.

ومن هنا، فإن أول خطوة في مقاومة التضليل ليست الرد عليه، بل خلق بيئة معرفية تجهضه قبل أن يولد.

الإعلام، كما أراه، ليس منصة للتعبئة، بل فضاء للتوعية، فالتعبئة سلاح قديم لجماعات تبحث عن السيطرة لا عن شراكة.

التوعية، على النقيض، تعني احترام عقل المواطن، وإشراكه في فهم الواقع، وتمكينه من اتخاذ قراراته عن وعي.

لا نحتاج إلى إعلام يوجه الجماهير نحو مواقف محددة سلفًا، بل إلى إعلام يفسّر، ويشرح، ويضيء الزوايا المعتمة، ويترك الحكم في النهاية للجمهور.

حين يتحول الإعلام إلى أداة دعاية، يفقد جوهره الديمقراطي، ويصبح جزءًا من المشكلة لا الحل. لا يمكن بناء رأي عام مستنير من خلال الانفعال ، والصراخ ، لم تعد الخطب الحماسية أداة صالحة للتأثير، أصبح تزييف الوعي سلعة سريعة البوار سرعان ما تفسد في هذا الفضاء المفتوح. التأثير في الجماهير لابد أن يعتمد أساسًا على  بناء وعي نقدي، يتغذى على معلومات حقيقية، ويتشكل عبر نقاشات حرة، لا عبر شعارات مسبقة الصنع.

نحن بحاجة إلى إعلام لا يُمارس وصاية على الناس، بل يعزز قدرتهم على طرح الأسئلة. إعلام لا يُحرّض، بل يشرح. لا يُضلل، بل يكشف. لا يصنع رأيًا عامًا مُعبّأ، بل يشارك بصدق في بناء رأي عام ناضج، يفرّق بين الحقيقة والتضليل.

لا يمكن مواجهة الشائعات دون ضمان تدفق المعلومات. الشفافية ليست ترفًا، بل درعًا واقيًا من الزيف. حق الناس في المعرفة ليس منحة، بل أساس الشراكة بين الإعلام والمجتمع، وشريان الثقة الذي إذا انقطع، انهار كل شيء.

الإعلام الجاد لا يسعى وراء الإثارة، بل ينحاز للفهم. لا يكتفي بنقل ردود الأفعال، بل يسهم في تشكيل وعي يمكّن المجتمعات من التفكير والتصرف بوعي ومسؤولية.

نجاح الإعلام لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بجودة الوعي الذي يصنعه. لا بمقدار الضجيج، بل بقدر ما يشرح، ويُبصّر، ويترك الناس أحرارًا في فهمهم ومواقفهم.

لم يعد هناك مكان لمهام "وزارة الإرشاد القومي"، بل أصبح الإعلام  ينطلق في قنوات مفتوحة لا تتدفق بإتجاه واحد فقط، بل تسير في اتجاهات متعددة، والإعلام الناجح هو من يستطيع الإبقاء على هذه القنوات مفتوحة وتغذيتها بالمعلومات الصحيحة وخلق رأي عام ناضج يحول دون انزلاق المجتمع إلى مساحات التلقين أو التضليل، ويعزز من قدرته على التمييز بين المعلومة والرأي، بين الحقيقة والدعاية.

ففي هذا الواقع الإعلامي المتغير، يصبح الوعي النقدي والمشاركة الواعية حجر الأساس في بناء مجتمع يفكر، يناقش، ويختار.

نشر بموقع "فكر تاني" 2 يونيو 2025

علمانيون: هل انتهت الفكرة أم انتهى عقد الإيجار؟

 

علمانيون: هل انتهت الفكرة أم انتهى عقد الإيجار؟

تابعتُ ما أُثير حول توقف نشاط حركة "علمانيون" بسبب عدم القدرة على سداد إيجار المقر. وبصراحة، لم أفهم هذا الربط بين استمرار حركة فكرية وبين وجود مقر لها.

فالحركات الفكرية ليست شركات تجارية ولا مؤسسات خدمية يعتمد وجودها على مبنى أو مكتب. هي، في جوهرها، أفكار ورؤى ونقاشات وأشخاص يؤمنون بقضية ما ويسعون إلى نشرها والدفاع عنها. فإذا كانت الفكرة حية بالفعل، فما الذي يمنعها من الاستمرار خارج الجدران؟

لقد عرفت البشرية تيارات فكرية غيّرت مجرى التاريخ قبل أن تمتلك مقرات أو ميزانيات أو هياكل تنظيمية. وانتشرت أفكار كبرى عبر الكتب والمقالات والندوات واللقاءات العامة، واستطاعت أن تترك أثرها لأنها امتلكت القدرة على الإقناع والتأثير، لا لأنها امتلكت عقارًا أو مقرًا.

بل إن تطور وسائل الاتصال والتواصل جعل الحاجة إلى المقرات أقل من أي وقت مضى. فالنقاشات تُدار عبر المنصات الرقمية، والندوات تُعقد عن بُعد، والمحتوى الفكري يصل إلى آلاف وربما ملايين المتابعين دون الحاجة إلى مقر دائم. لذلك أصبح تأثير الفكرة مرتبطًا بقدرتها على الوصول إلى الناس وإقناعهم والتفاعل معهم، لا بالمكان الذي تنطلق منه.

لذلك يبدو غريبًا أن يُقدَّم إغلاق مقر باعتباره نهاية لحركة فكرية. فإذا كانت الحركة قد انتهت فعلًا بسبب عجزها عن دفع الإيجار، فربما تكون المشكلة أعمق من مجرد أزمة مالية، وربما يطرح ذلك سؤالًا مشروعًا حول مدى حضورها الحقيقي وتأثيرها وقدرتها على الاستمرار.

الأفكار لا تسكن العقارات، بل تسكن العقول. وما دام هناك من يؤمن بفكرة ويدافع عنها ويناقشها، فإنها تستطيع أن تستمر. أما إذا كان وجودها مرهونًا بوجود مكان بعينه، فهنا يحق لنا أن نتساءل: هل كانت هناك حركة فكرية فعلًا، أم مجرد مقر يجمع عددًا من المهتمين؟

ويصبح من الضروري قراءة الأزمة من زاوية أخرى؛ فالقضية ليست إغلاق مقر، بل عجز مشروع فكري عن تجاوز حدود المكان والتحول إلى تيار حي قادر على الاستمرار والتأثير في المجتمع. تيار يستمد وجوده من حضوره في المجال العام، ومن قدرته على إنتاج الأفكار وإثارة النقاش، لا من قدرة أعضائه على سداد الإيجار.

فالحركات الفكرية تُختبر بقدرتها على الصمود أمام التحديات الفكرية والمجتمعية، لا بقدرتها على الاحتفاظ بمكتب أو لافتة على باب عقار. وكثير من التيارات الفكرية عبر التاريخ نشأت في المقاهي والبيوت والجامعات والمنتديات العامة، واستمرت رغم الملاحقة والمنع والتضييق.

أما اليوم، وفي ظل ما تتيحه وسائل التواصل من إمكانات واسعة للوصول إلى الجمهور، يصبح من الصعب الاقتناع بأن مصير حركة فكرية كاملة يتوقف على إيجار مقر. فالمقر قد يكون أداة للتنظيم، لكنه لا يمكن أن يكون مصدر الشرعية أو سبب الوجود. الوجود الحقيقي لأي حركة يُقاس بما تنتجه من أفكار، وما تثيره من نقاش، وما تتركه من أثر في الوعي العام.

وإذا كان إغلاق المقر يعني انتهاء الحركة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كنا أمام حركة فكرية بالفعل، أم أمام عنوان على باب وشقة تُعقد فيها الاجتماعات؟ فالأفكار الجادة تخلق دائمًا مساحات جديدة للتعبير عن نفسها، بينما تكشف الأزمات مدى رسوخها أو هشاشتها. أما اختزال الوجود كله في مقر، فهو اعتراف غير مباشر بأن الجدران كانت أقوى من الأفكار.

نشر بموقع "آخر الكلام" مايو 2026

حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية

 حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية

يبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة من الاجتهاد التشريعي: كلما استعصت مشكلة، يصبح الحل الأسهل هو: غرامة جديدة، أو رسم إضافي، أو اقتراح يختبر قدرة المواطن على التحمّل أكثر مما يعالج أصل الأزمة.

لم يعد مستغربًا أن نستيقظ كل يوم على تصريح برلماني يثير الدهشة أكثر مما يقدّم حلولًا. في بلد تتراكم فيه الأزمات المعيشية على المواطن، يبدو أن بعض ممثليه في البرلمان قرروا أن الطريق الأقصر للإصلاح هو… الغرامة.

اقتراحات تتوالى، وغرامات تتضخم، وكأن جيب المواطن هو الحل الجاهز لكل مشكلة.

نائبة تقترح إعفاءً جمركيًا على الهواتف مقابل تحويل 5000 دولار سنويًا من الخارج، وكأن حق استخدام هاتف أصبح امتيازًا مشروطًا بالقدرة على ضخ عملة صعبة، في مقايضة غير متكافئة لا تناسب شريحة واسعة من المغتربين، كما يضيف تعقيدًا إداريًا ويخلق تمييزًا بين من يستطيع التحويل ومن لا يستطيع، فضلًا عن أنه يحوّل استخدام جهاز شخصي إلى التزام مالي سنوي، دون معالجة حقيقية للمشكلة.

مقترح  يشدد عقوبة الاعتداء على الوالدين لتصل إلى الحبس من 5 إلى 10 سنوات، وغرامة قد تبلغ مليون جنيه في حالة التكرار، مع تنفيذ الحكم حتى في حال التنازل. وبين أهمية الردع، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن فرض الأخلاق عبر الجباية والعقاب؟ وهل تصبح الغرامة بديلاً عن غرس القيم؟ ولماذا نخلط بين وظيفة القانون في الردع وتنظيم السلوك، وبين بناء السلوك الإنساني الذي لا يُصاغ بالغرامة وحدها؟

أما الحل السريع لأزمة الديون، فجاء في اقتراح يدعو كل قادر للتبرع بمليون جنيه لسداد ديون مصر الخارجية خلال شهر، تصور يبدو أقرب للأمنيات منه إلى السياسات الاقتصادية.

وفي ملف مختلف، يُطرح تحميل المواطنين 30 جنيهًا إضافية على فاتورة الكهرباء لتمويل مواجهة الكلاب الضالة، وكأن كل أزمة لها فاتورة جاهزة تنتظر من يسددها.

المشترك بين هذه المقترحات ليس فقط غرابتها، بل اعتمادها على منطق واحد: أن المواطن هو المورد الأسهل، والأسرع، وربما الوحيد.

لكن الحقيقة أن الأزمات لا تُحل بالغرامات وحدها، ولا بالرسوم المتراكمة، بل بسياسات تفهم جذور المشكلة وتتعامل معها بجدية وعدالة.

فرض الغرامات الضخمة لم ولن يصبح حلًا حقيقيًا، يجب النظر إلى الجذور الاقتصادية والاجتماعية للمشكلات. فالمقترحات التي تتعامل مع النتائج وتُهمل الأسباب لا يمكن أن تقدم حلولًا مستدامة، بل تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

فعندما تصبح الغرامات الباهظة هي الاستجابة الجاهزة لمشكلات مصدرها الفقر، أو ضعف الخدمات، أو غياب البدائل، فنحن لا نعالج المشكلة بقدر ما نُحمّل كلفتها لضحاياها.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الاقتراحات تُطرح دون دراسة كافية لتأثيرها الاجتماعي، أو تقدير واقعي لقدرة المواطنين على التحمل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية بشكل ملحوظ.

في المقابل، تتراجع أو تغيب المقترحات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر: تحسين جودة الخدمات، دعم الفئات الأكثر احتياجًا، أو تقديم حلول مبتكرة لمشكلات مزمنة.

ويبقى السؤال الجوهري: هل الهدف من التشريع هو تنظيم الحياة بما يخدم الناس، أم مجرد إضافة مزيد من الأعباء عليهم؟

المواطن لا يحتاج إلى مزيد من العقوبات، بقدر ما يحتاج إلى سياسات عادلة، وفرص حقيقية، وإحساس بأن من يمثله يفكر في تحسين حياته لا في تحميله كلفة الأخطاء والأزمات.
نشرفي موقع "آخر الكلام" ابريل 2026