وحدات حماية المرأة: اختبار المواطنة والعدالة في سوريا الجديدة
حين نتحدَّث عن أوضاع المرأة في شمال وشرق سوريا، فإنَّنا لا نتحدَّث فقط عن قضيّّة تخصُّ النّساء، ولا عن تجربة محلّيَّة معزولة، بل نتحدّث عن جزء من معركة أكبر تتعلّق بشكل الدَّولة والمجتمع ومستقبل الحقوق والحرّيَّات في سوريا وربَّما في المنطقة كلّها.
خلال السَّنوات الماضية، استطاعت المرأة في روج آفا أنْ تحقّق حضوراً لافتاً في المجالين السّياسي والاجتماعي، وأنْ تفرض نفسها شريكاً في صنع القرار وفي إدارة الشَّأن العام، و برزت نماذج غير مألوفة في المنطقة لمشاركة النّساء في المؤسّسات المدنيَّة والعسكريَّة. لكنّ السُّؤال الأهمّ اليوم ليس ما الّذي تحقّق، بل كيف يمكن حماية ما تحقّق؟.
وفي هذا السّياق، تكتسب وحدات حماية المرأة أهميّة تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهذه الوحدات لم تكن مجرّد تشكيل نشأ في ظروف الحرب، بل أصبحت تعبيراً عن قدرة النّساء على المشاركة في الدّفاع عن مجتمعاتهنَّ، وكسر الصَّور النَّمطيَّة الّتي حصرت أدوارهنَّ لعقود طويلة. لذلك فإنَّ الحفاظ على وجود هذه الوحدات، وعلى الدّور والخبرة والتَّمثيل الّذي راكمته النّساء من خلالها، يمثّل ضرورة لحماية أحد أبرز الإنجازات الّتي تحقّقت خلال السَّنوات الماضية. فالقضيَّة ليست قضيّة تشكيل عسكري فقط، لكنَّها قضيَّة اعتراف بدور المرأة كشريك كامل في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء مستقبله. وأيّ ترتيبات سياسيَّة أو مؤسّسيَّة تتجاهل هذا الواقع أو تؤدّي إلى تهميش النّساء داخل المؤسّسات الأمنيَّة والدّفاعيَّة، ستكون خطوة إلى الوراء على طريق المساواة والشّراكة والمواطنة المتساويَّة.
وقد أثبتت وحدات حماية المرأة خلال السَّنوات الماضية أنَّ مشاركة النّساء في الدّفاع عن المجتمع ليست مجرّد شعار أو مطلب حقوقي، بل واقع عملي أثبت كفاءته على الأرض. فقد شاركت هذه الوحدات في مواجهة التَّنظيمات المتطرّفة وحماية المجتمعات المحلّيَّة، وفي الوقت نفسه قدَّمَتْ نموذجاً جديداً للمرأة الفاعلة والقادرة على تحمُّل المسؤوليَّة واتّخاذ القرار. ولذلك فإنَّ أهمّيَّة هذه التَّجربة لا تكمن فقط في بعدها العسكري، وإنَّما في ما أحدثته من تحوّل اجتماعي وثقافي أعاد تعريف دور المرأة بوصفها شريكاً كاملاً في حماية المجتمع وبناء مستقبله.
غير أنّ أهمّيَّة أيّ تجربة لا تُقاس فقط بما تحقّقه في لحظة معيّنة، وإنَّما بقدرتها على الاستمرار والصّمود أمام التَّحوّلات السّياسيَّة، فالحقوق لا تصبح راسخة لمجرّد وجودها في القوانين أو الهياكل التَّنظيميَّة وإنَّما بقدرتها على التَّحوّل إلى جزء من الثقافة المجتمعية ومن بنية الدّولة نفسها. فالتجارب الإنسانية علّمتنا أنّ الحقوق التي لا تجد سنداً قانونيَّاً ومجتمعيَّاً ومؤسّسيَّاً قويّاً تظلّ عرضةً للتَّراجع كلّما تغيّرت موازين القوى أو تبدّلت الظّروف السياسيَّة.
ومن هنا تبدو المخاطر الّتي تهدّد مكتسبات المرأة في روج آفا مرتبطة إلى حدٍّ كبير بالمشهد السُّوري العام. فمع كلّ حديث عن ترتيبات سياسيَّة جديدة أو إعادة تشكيل مؤسّسات الدَّولة، يبرز خطر التَّعامل مع حقوق النّساء باعتبارها ملفاً ثانويَّاً يمكن تأجيله أو المساومة عليه لصالح أولويّات أخرى توصف بأنَّها أكثر إلحاحاً.
كما أنَّ صعود الخطابات المحافظة والمتشدّدة في أجزاء مختلفة من المنطقة يمثّل تحدّيَّاً إضافيّاً، خاصّةً حين يتمُّ تقديم مشاركة المرأة في الحياة العامّة باعتبارها استثناءً أو تهديداً للقيم الاجتماعيَّة، لا حقاً أصيلاً من حقوق المواطنة.
لكنَّ الخطر الأكبر ربَّما لا يكمن فقط في التَّهديدات السّياسيَّة أو الفكريَّة، وإنَّما في البيئة العامّة الّتي أنتجتها سنوات الحرب الطَّويلة، بيئة تراجعت فيها قيمة القانون، وازداد فيها حضور القوّة والسّلاح، وتآكلت فيها فكرة المحاسبة.
ولعلّ الأرقام الّتي توثّق تصاعد العنف ضدَّ النّساء في سوريا تعكس جانباً من هذه الأزمة. فحين يوثّق المرصد السُّوري لحقوق الإنسان مقتل عشرات النّساء خلال أشهر قليلة، فإنَّ القضيَّة لا يمكن اختزالها في جرائم فرديَّة أو حوادث متفرّقة. نحن أمام ظاهرة لها جذور أعمق ترتبط بتفكُّك البُنى الاجتماعيَّة، وانتشار العنف، وتدهور الأوضاع الاقتصاديَّة، وضعف مؤسّسات الحماية والعدالة.
لقد خلّفت الحرب السُّوريَّة إرثاً ثقيلاً من العنف. فالمجتمعات الّتي تعيش سنوات طويلة تحت وطأة الصّراع لا تخرج منه كما دخلت، العنف الّذي يبدأ في المجال العام ينتقل تدريجيَّاً إلى المجال الخاصّ، وتصبح القوّة وسيلة معتادة لحلّ النّزاعات وفرض الإرادة. وفي مثل هذه الظَّروف، تصبح النّساء من أكثر الفئات تعرُّضاً للانتهاكات.
إلى جانب ذلك، فإنَّ استمرار بعض الأنماط الثَّقافيَّة الّتي تنظر إلى المرأة باعتبارها أقلّ استقلالاً أو أقلّ أهليّة لاتّخاذ القرار بشأن حياتها، يسهم في توفير غطاء اجتماعي غير مباشر للعنف القائم على النَّوع الاجتماعي، ويجعل مقاومته أكثر صعوبة.
غير أنَّ العامل الحاسم في استمرار هذه الانتهاكات يبقى غياب العدالة، فلا يمكن فصل تصاعد العنف ضدَّ النّساء عن غياب مشروع حقيقي للعدالة الانتقاليَّة في سوريا، المحاسبة ليست مطلباً انتقاميَّاً، بل ضرورة مجتمعيَّة لمنع تكرار الجرائم. فعندما تمرُّ الانتهاكات الكبرى دون كشف للحقيقة أو مساءلة للمسؤولين عنها، يعتاد النَّاس رؤية العنف دون أنْ يروا عدالة تُنصف الضَّحايا أو تُحاسب الجناة، عندها تتراجع الثّقة في القانون وتصبح الانتهاكات أكثر قابليّة للتكرار.
العدالة الانتقاليَّة ليست رفاهيَّة سياسيَّة، بل شرط أساسي لبناء مجتمع آمن، فهي تقوم على كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضّرّر، وإصلاح المؤسّسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ومن دون ذلك، يبقى العنف قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، من المجال السّياسي إلى المجال الأسري والاجتماعي، كما أنَّ العدالة الانتقاليَّة ليست قضيَّة تخصّ ضحايا الحرب وحدهم، بل قضيَّة تتعلّق بمستقبل المجتمع كلّه. ومن دونها ستظلُّ دائرة العنف مفتوحة، وسيبقى ضحايا جدد يدفعون ثمن جرائم قديمة لم تجد طريقها إلى المحاسبة
إنَّ حماية مكتسبات المرأة في روج آفا، أو في أيّ جزء من سوريا، لا تتحقّق فقط من خلال الحفاظ على بعض الهياكل أو التَّرتيبات الإداريَّة، بل من خلال بناء دولة مدنيَّة ديمقراطيَّة تقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون، دولة تكون فيها حقوق النّساء جزءاً من العقد الاجتماعي نفسه، لا استثناءً تمنحه السَّلطة ثمَّ تنتزعه الظَّروف.
في النهاية، يبقى وضع المرأة أحد أكثر المؤشّرات دلالة على طبيعة أيّ مجتمع. فحين تتراجع حقوق النّساء، يكون ذلك إنذاراً بتراجع أوسع في قيم الحرّيَّة والعدالة. وحين تُصان هذه الحقوق وتُحمى، فإنَّ المجتمع كلّه يكون أكثر قدرة على بناء مستقبل قائم على الشَّراكة والكرامة الإنسانيَّة.
لذلك فإنَّ الحفاظ على وحدات حماية المرأة، وعلى الدَّور والتَّمثيل والخبرة الّتي راكمتها النّساء من خلالها، لا يتعلّق بمصير تشكيل بعينه، بل بمصير فكرة أوسع: فكرة أنْ تكون المرأة شريكاً كاملاً في الدّفاع عن المجتمع وفي بناء الدَّولة. ومن هذه الزَّاويَّة، يصبح الدّفاع عن هذه التَّجربة دفاعاً عن المواطنة والمساواة والعدالة وعن حقّ جميع المواطنين في العيش داخل مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً وإنسانيّة.
نشر بوكالة أنباء الفرات يونيو 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق