المرأة في مواجهة العنف العالمي: نضال من
أجل الحياة والحرية
الثامن من مارس.. يوم يحتفل فيه العالم بالمرأة، لكنه يطرح في الوقت
نفسه تساؤلات عن واقع المرأة وحريتها.
يوم تتلاقى فيه الكلمات
الكبرى مثل المساواة والعدالة مع الحقائق الصعبة التي تعيشها ملايين النساء كل
يوم.
يوم يتناغم فيه الاحتفاء مع
الصمت، ويصعب أحيانًا تمييز الفرح من الألم، والاعتراف من التهميش.
ففي كل زاوية من العالم، لا تزال النساء يواجهن أشكالًا متعددة من
العنف والتمييز؛ في البيوت، وأماكن العمل، والفضاء العام، بل وأحيانًا في القوانين
والسياسات التي يفترض أن تحميهن. وفي الوقت نفسه، تظل النساء شاهدة ومقاومة وصانعة
حياة، لا تنتظر من أحد أن يمنحها الحرية، بل تصنعها بجهودها اليومية وإرادتها
المستمرة.
هذا التناقض بين الاحتفال والواقع ليس جديدًا، لكنه يبدو اليوم أكثر
وضوحًا في عالم يعيش أزمات متلاحقة. فالحروب الممتدة في مناطق عديدة، والأزمات
الاقتصادية التي تضرب المجتمعات، وصعود الخطابات المتشددة في كثير من البلدان،
كلها عوامل أعادت طرح أسئلة قديمة حول مكانة المرأة وحدود حريتها ودورها في
المجتمع. وفي قلب هذه التحولات غالبًا ما تجد النساء أنفسهن في الصفوف الأولى لدفع
الثمن.
العنف ضد النساء ليس ظاهرة جديدة، لكنه لا يزال أحد أكثر أشكال الظلم
انتشارًا في العالم. تشير تقارير دولية إلى أن ملايين النساء يتعرضن سنويًا للعنف
الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وغالبًا ما يحدث ذلك داخل فضاءات يفترض أن تكون آمنة
مثل المنزل أو مكان العمل. وفي كثير من الحالات لا يصل هذا العنف إلى ساحات
العدالة، إما بسبب الخوف أو الصمت الاجتماعي أو ضعف القوانين.
ولا يقتصر العنف على الاعتداء الجسدي فقط، بل يمتد إلى أشكال أخرى
أكثر خفاءً، مثل التمييز الاقتصادي، أو حرمان النساء من فرص العمل المتكافئة، أو
التقليل من قدراتهن المهنية، أو استبعادهن من مواقع صنع القرار. وفي عصر
التكنولوجيا ظهرت أيضًا أشكال جديدة من العنف الرقمي مثل التشهير والابتزاز والتحرش
عبر الإنترنت، وهو ما وسّع نطاق الأذى ليصل إلى الفضاء الافتراضي.
وفي أوقات الأزمات الكبرى تتضاعف هذه التحديات. فالحروب والصراعات
المسلحة تترك آثارًا قاسية على المجتمعات عمومًا، لكنها غالبًا ما تضرب النساء
بشكل خاص. ففي مناطق النزاع تتعرض النساء للنزوح القسري ويفقدن مصادر الدخل
والاستقرار، ويتحملن مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسر في ظروف شديدة الصعوبة. كما
يُستخدم العنف الجنسي أحيانًا كسلاح في الحروب لترهيب المجتمعات أو كسرها.
ورغم ذلك، كثيرًا ما تُستبعد النساء من عمليات صنع القرار المتعلقة
بالحرب والسلام. ففي الوقت الذي يتحملن فيه تبعات الصراع اليومية، لا يجدن غالبًا
مكانًا على طاولات التفاوض أو في خطط إعادة الإعمار، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في
فهم دور النساء في المجتمع والسياسة.
في هذا السياق اكتسب شعار “المرأة،
الحياة، الحرية” حضورًا
عالميًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاحتجاجات التي أعقبت مقتل مهسا
أميني عام 2022. لم يكن هذا الشعار مجرد كلمات ملهمة، بل صياغة مكثفة لفكرة عميقة:
أن حياة المجتمع لا يمكن أن تزدهر إذا كانت حياة النساء مهددة، وأن الحرية لا يمكن
أن تكون حقيقية إلا إذا كانت حقًا للجميع.
فالمرأة ليست فقط نصف المجتمع كما يقال كثيرًا، بل هي أحد أعمدته
الأساسية. هي التي تحمل عبء الحياة اليومية وتدير تفاصيلها الصغيرة، وتشارك في
بناء المجتمعات اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. ومع ذلك كثيرًا ما تجد نفسها في
موقع هش يواجه العنف أو التمييز أو التهميش.
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدو هذه التحديات أكثر
تعقيدًا. فالمنطقة تعيش منذ سنوات طويلة تحت وطأة صراعات سياسية وأمنية واقتصادية
متلاحقة، تركت آثارًا عميقة على المجتمعات، وكانت النساء من أكثر الفئات تأثرًا
بها. ففي بعض البلدان ما زالت النساء يواجهن قيودًا قانونية واجتماعية تحد من
حريتهن في العمل أو الحركة أو المشاركة السياسية، بينما وجدت ملايين النساء في
بلدان أخرى مزقتها الحروب أنفسهن أمام واقع قاسٍ من النزوح والفقر وفقدان الأمان.
لكن رغم كل أشكال العنف والتمييز، أثبتت النساء أنهن لسن مجرد متلقّيات
للأذى، بل فاعلات أساسيات في التغيير. في المجتمعات المحلية، تقود النساء مبادرات
التضامن الاجتماعي. في الحركات الديمقراطية، كنّ في الصفوف الأمامية. في ميادين
العمل العام، قدّمن نماذج قيادية أثبتت كفاءة عالية وقدرة على إدارة الأزمات.
إن الاعتراف بدور النساء لا يجب أن يقتصر على الإشادة الرمزية، بل يجب
أن يتحول إلى تمكين فعلي: تمكين سياسي يضمن تمثيلًا عادلًا، وتمكين اقتصادي يفتح
الأبواب أمام الفرص، وتمكين ثقافي يعيد صياغة الصورة النمطية للمرأة في الإعلام
والتعليم والخطاب العام.
وتشهد المنطقة حضورًا نسائيًا متزايدًا في المجال العام. فقد لعبت
النساء أدوارًا بارزة في الحركات الاجتماعية والديمقراطية، وشاركن في مبادرات
المجتمع المدني، ورفعن أصواتهن دفاعًا عن العدالة والكرامة والمساواة.
ومن بين التجارب اللافتة في هذا السياق تجربة النساء الكرديات،
اللواتي قدّمن نموذجًا مهمًا في الربط بين النضال من أجل حقوق النساء والنضال من
أجل الحرية والديمقراطية. فقد لعبت المرأة الكردية دورًا بارزًا في الحركات
الاجتماعية والسياسية وفي الدفاع عن مجتمعاتها في أوقات الصراع، كما ساهمت في بناء
نماذج تنظيمية جديدة تقوم على مشاركة النساء في القيادة وصنع القرار.
وفي مصر، لم يكن نضال النساء من أجل الحرية والمساواة منفصلًا عن
النضال الوطني الأوسع. فمنذ بدايات القرن العشرين لعبت المرأة المصرية دورًا
بارزًا في الحركة الوطنية. ففي ثورة 1919 خرجت النساء إلى الشوارع في مظاهرات
حاشدة للمطالبة بالاستقلال، وكانت رائدات مثل هدى شعراوي وسيزا نبراوي وصفية زغلول
من بين النساء اللاتي أسسن لحركة نسوية مصرية ربطت بين تحرير الوطن وتحرير المرأة.
وقد استمر هذا الحضور النسائي في لحظات التحول الكبرى في التاريخ
المصري المعاصر. ففي ثورة 25 يناير كانت النساء في الصفوف الأولى للمطالبة بالحرية
والعدالة والكرامة الإنسانية، وشاركن في الاحتجاجات والعمل المجتمعي والإعلامي،
وأسهمن في الحفاظ على الطابع السلمي للحراك الشعبي. ولم يتوقف هذا الدور عند تلك
اللحظة التاريخية، بل تواصل حضور المرأة المصرية في المجال العام، وتنامى تأثيرها
بوصفها فاعلًا أساسيًا في الحياة السياسية والاجتماعية.
إن هذا التاريخ الطويل من المشاركة النسائية في النضال الوطني
والاجتماعي يؤكد أن قضية المرأة لم تكن يومًا قضية هامشية، بل كانت دائمًا جزءًا
من معركة أوسع من أجل الحرية والعدالة.
فالمجتمعات التي تتيح فرصًا متساوية للنساء والرجال تكون عادة أكثر
استقرارًا وازدهارًا، لأن المساواة توسع دائرة المشاركة وتتيح الاستفادة من كامل
الطاقات البشرية المتاحة. ولهذا، لم يعد الدفاع عن حقوق النساء مجرد مطلب أخلاقي
أو شعار نظري، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء مجتمعات عادلة، واقتصاد قوي،
وديمقراطية حقيقية، حيث ينعكس تمكين المرأة مباشرة على استقرار المجتمعات ونموها
وتطورها المستدام.
إن المجتمعات التي تحمي النساء من العنف وتضمن لهن المساواة في الحقوق
لا تحقق العدالة فحسب، بل تبني أيضًا أساسًا أكثر صلابة للمستقبل. فالأطفال الذين
ينشأون في بيئات تحترم النساء يتعلمون منذ البداية قيم المساواة والكرامة
الإنسانية، وهو ما ينعكس فيما بعد على شكل المجتمع كله.
واليوم، ونحن نتأمل واقع النساء في العالم، قد يبدو الطريق طويلًا
وربما مليئًا بالعقبات. لكن التاريخ يثبت أن التقدم في مجال حقوق النساء كان
دائمًا نتيجة لنضالات طويلة وإصرار متواصل.
في تحالف ندى، نؤمن أن الدفاع عن حقوق النساء ليس ملفًا
جانبيًا، بل هو قلب مشروعنا الديمقراطي الاجتماعي.
نؤمن أن العدالة الجندرية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وأن
تمكين النساء سياسيًا واقتصاديًا هو شرط للاستقرار والسلام.
لذا نسعى ونطالب بـ :
- تشريعات رادعة لكل أشكال العنف ضد النساء.
- سياسات حماية اجتماعية واقتصادية للنساء،
خصوصًا في مناطق النزاع والهشاشة.
- تمثيل عادل وفعّال للنساء في مواقع صنع
القرار.
- تغيير ثقافي طويل المدى يبدأ من التعليم
والإعلام والخطاب الديني.
في النهاية يذكّرنا اليوم العالمي للمرأة بأن قضية النساء ليست مسألة
هامشية، بل جزء أساسي من معركة أوسع من أجل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
فحين تكون المرأة آمنة يصبح المجتمع أكثر أمانًا.
وحين تكون حرة تتسع مساحة الحرية للجميع.
وحين تُحترم كرامتها يصبح العالم مكانًا أكثر إنسانية.
ولهذا يبدو شعار “المرأة،
الحياة، الحرية” أكثر من
مجرد كلمات، فهو وعد بعالم أكثر عدلًا وإنسانية.
نشر في العدد الأول من رؤية المرأة إبريل 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق