الجمعة، 26 يونيو 2026

حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية

 حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية

يبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة من الاجتهاد التشريعي: كلما استعصت مشكلة، يصبح الحل الأسهل هو: غرامة جديدة، أو رسم إضافي، أو اقتراح يختبر قدرة المواطن على التحمّل أكثر مما يعالج أصل الأزمة.

لم يعد مستغربًا أن نستيقظ كل يوم على تصريح برلماني يثير الدهشة أكثر مما يقدّم حلولًا. في بلد تتراكم فيه الأزمات المعيشية على المواطن، يبدو أن بعض ممثليه في البرلمان قرروا أن الطريق الأقصر للإصلاح هو… الغرامة.

اقتراحات تتوالى، وغرامات تتضخم، وكأن جيب المواطن هو الحل الجاهز لكل مشكلة.

نائبة تقترح إعفاءً جمركيًا على الهواتف مقابل تحويل 5000 دولار سنويًا من الخارج، وكأن حق استخدام هاتف أصبح امتيازًا مشروطًا بالقدرة على ضخ عملة صعبة، في مقايضة غير متكافئة لا تناسب شريحة واسعة من المغتربين، كما يضيف تعقيدًا إداريًا ويخلق تمييزًا بين من يستطيع التحويل ومن لا يستطيع، فضلًا عن أنه يحوّل استخدام جهاز شخصي إلى التزام مالي سنوي، دون معالجة حقيقية للمشكلة.

مقترح  يشدد عقوبة الاعتداء على الوالدين لتصل إلى الحبس من 5 إلى 10 سنوات، وغرامة قد تبلغ مليون جنيه في حالة التكرار، مع تنفيذ الحكم حتى في حال التنازل. وبين أهمية الردع، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن فرض الأخلاق عبر الجباية والعقاب؟ وهل تصبح الغرامة بديلاً عن غرس القيم؟ ولماذا نخلط بين وظيفة القانون في الردع وتنظيم السلوك، وبين بناء السلوك الإنساني الذي لا يُصاغ بالغرامة وحدها؟

أما الحل السريع لأزمة الديون، فجاء في اقتراح يدعو كل قادر للتبرع بمليون جنيه لسداد ديون مصر الخارجية خلال شهر، تصور يبدو أقرب للأمنيات منه إلى السياسات الاقتصادية.

وفي ملف مختلف، يُطرح تحميل المواطنين 30 جنيهًا إضافية على فاتورة الكهرباء لتمويل مواجهة الكلاب الضالة، وكأن كل أزمة لها فاتورة جاهزة تنتظر من يسددها.

المشترك بين هذه المقترحات ليس فقط غرابتها، بل اعتمادها على منطق واحد: أن المواطن هو المورد الأسهل، والأسرع، وربما الوحيد.

لكن الحقيقة أن الأزمات لا تُحل بالغرامات وحدها، ولا بالرسوم المتراكمة، بل بسياسات تفهم جذور المشكلة وتتعامل معها بجدية وعدالة.

فرض الغرامات الضخمة لم ولن يصبح حلًا حقيقيًا، يجب النظر إلى الجذور الاقتصادية والاجتماعية للمشكلات. فالمقترحات التي تتعامل مع النتائج وتُهمل الأسباب لا يمكن أن تقدم حلولًا مستدامة، بل تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

فعندما تصبح الغرامات الباهظة هي الاستجابة الجاهزة لمشكلات مصدرها الفقر، أو ضعف الخدمات، أو غياب البدائل، فنحن لا نعالج المشكلة بقدر ما نُحمّل كلفتها لضحاياها.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الاقتراحات تُطرح دون دراسة كافية لتأثيرها الاجتماعي، أو تقدير واقعي لقدرة المواطنين على التحمل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية بشكل ملحوظ.

في المقابل، تتراجع أو تغيب المقترحات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر: تحسين جودة الخدمات، دعم الفئات الأكثر احتياجًا، أو تقديم حلول مبتكرة لمشكلات مزمنة.

ويبقى السؤال الجوهري: هل الهدف من التشريع هو تنظيم الحياة بما يخدم الناس، أم مجرد إضافة مزيد من الأعباء عليهم؟

المواطن لا يحتاج إلى مزيد من العقوبات، بقدر ما يحتاج إلى سياسات عادلة، وفرص حقيقية، وإحساس بأن من يمثله يفكر في تحسين حياته لا في تحميله كلفة الأخطاء والأزمات.
نشرفي موقع "آخر الكلام" ابريل 2026

صناعة الوهم: كيف تشكل الشائعات وعينا الجمعي؟

في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الشائعات مجرد أحاديث عابرة تنتقل بين الناس في الأسواق والمقاهي، بل أصبحت صناعة متكاملة قادرة على التأثير في الرأي العام وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال، باتت الشائعة تنتشر بين ملايين الأشخاص خلال دقائق معدودة، مما ضاعف قدرتها على التأثير في المواقف والاتجاهات قبل أن تتاح فرصة التحقق من صحتها. وهكذا تحولت من مجرد خبر غير موثق إلى أداة فاعلة في تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية، بل وصناعة مواقف قد تؤثر في مسار الأحداث نفسها. لماذا تنتشر الشائعات؟ تنتشر الشائعات وتزدهر مع نقص المعلومات وانعدام الثقة. فعندما يواجه المجتمع أحداثًا هامة ولا تتوافر لدى أفراده معلومات كافية عنها، يسعون إلى ملء الفراغ المعرفي بأي تفسير متاح، بصرف النظر عن مصدره، لاسيما في حالة إنعدام الثقة بينهم وبين المصادر الرسمية، بل يمكن القول أن الجمهور في هذه الحالة يسعى للبحث عن تفسير الحدث بعيدًا عن المصدر الرسمي. كما تلعب العوامل النفسية دورًا مهمًا في انتشار الشائعات؛ فالخوف والقلق والأمل والغضب كلها مشاعر تدفع الأفراد إلى تداول الأخبار دون التحقق منها. وغالبًا ما تنتشر الشائعات التي تلامس مخاوف الناس أو تؤكد قناعاتهم المسبقة أكثر من غيرها، لأنها تمنحهم تفسيرًا سريعًا للواقع حتى وإن كان غير دقيق. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إحداث تحولات جذرية في آليات انتشار المعلومات. فبعد أن كان نشر الأخبار حكرًا على المؤسسات الإعلامية، أصبح الأفراد قادرين على إنتاج المحتوى ونشره على نطاق واسع مع وجود خوارزميات تشجع المحتوى المثير للانفعال،فالخوارزميات تصنف المحتوى بناءً على قدرته على إثارة الانتباه مما يجعل الشائعات أكثر قدرة على الانتشار من الأخبار الدقيقة. كما تساهم ظاهرة "فقاعات المعلومات" في تعزيز هذا الانتشار، حيث يتعرض المستخدم غالبًا لمحتوى يتفق مع آرائه ومعتقداته، فيميل إلى تصديقه ثم إعادة نشره. الشائعات كأداة للتأثير السياسي والاجتماعي لم تعد الشائعة مجرد نتيجة للفوضى المعلوماتية، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة مقصودة للتأثير السياسي والاجتماعي. فقد تُستخدم لتشويه الخصوم ، أو لإثارة الانقسام المجتمعي ، أو لصرف الانتباه عن قضايا أساسية تشغل الرأي العام. وفي أحيان أخرى تُستغل لتغذية مشاعر الخوف أو الغضب أو الإحباط، بما يؤثر في اتجاهات المواطنين ومواقفهم من القضايا الهامة. تجد هذه الشائعات بيئة مناسبة للانتشار في ظل نقص المعلومات أو تأخر وصولها أو غياب التوضيحات الكافية، فتتحول خلال ساعات إلى مادة للنقاش الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويرى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن السيطرة على الوعي العام لا تتم فقط عبر الرقابة المباشرة، بل من خلال التحكم في تدفق المعلومات وصياغة الأجندة التي تشغل اهتمام الجمهور. ففي تحليله لدور الإعلام، يوضح أن التركيز على القضايا الثانوية أو المثيرة للجدل قد يحجب النقاش حول القضايا الجوهرية، وأن إثارة المخاوف واستثمار الانفعالات العاطفية يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتأثير في الرأي العام وتوجيهه. ومن هذا المنظور، لا تُفهم الشائعات باعتبارها مجرد معلومات خاطئة، بل باعتبارها جزءًا من بيئة إعلامية قد تسمح بتوجيه الانتباه الجماعي وصناعة تصورات معينة عن الواقع، خاصة عندما تغيب المعلومات الدقيقة أو يضعف التفكير النقدي لدى الجمهور. مواجهة الشائعات: مسؤولية الجميع في ظل هذا الكم الهائل من المعلومات، أصبحت مسؤولية التحقق ضرورة أخلاقية ومجتمعية. ويمكن اتباع عدد من الخطوات البسيطة: * التأكد من مصدر الخبر. * البحث عن الخبر في أكثر من وسيلة إعلامية . * التحقق من تاريخ النشر. * الانتباه إلى العناوين المثيرة * عدم إعادة النشر قبل التأكد من صحة المحتوى. كما يقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية أساسية في مكافحة الشائعات من خلال الالتزام بالمعايير المهنية، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، وتقديم محتوى دقيق ومتوازن . كذلك تتحمل المؤسسات الرسمية مسؤولية توفير المعلومات بشفافية وسرعة. فالتأخر في تقديم المعلومات أو غياب التواصل الفعال مع المواطنين يفتح المجال أمام الشائعات كي تملأ الفراغ. إن أفضل وسيلة لمواجهة الشائعة ليست المنع أو القمع، بل توفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، فعندما تحجب الحقيقة أو تتأخر تترك مساحة واسعة للأكاذيب كي تنتشر. مواجهة الشائعات لا تتحقق فقط عبر القوانين أو البيانات الرسمية، بل تبدأ ببناء ثقافة تقوم على التفكير النقدي والوعي الإعلامي واحترام حق المواطنين في المعرفة. فالمجتمعات التي يمتلك أفرادها القدرة على التحقق والتساؤل وتحليل المعلومات هي الأقل عرضة للتضليل والأكثر قدرة على حماية نفسها من محاولات التلاعب بالوعي العام. وأؤكد أن مواجهة الشائعات لن يحدث دون ضمان تدفق المعلومات. فالشفافية ليست ترفًا، بل درعًا واقيًا من الزيف. حق الناس في المعرفة ليس منحة، بل أساس الشراكة بين الإعلام والمجتمع، وشريان الثقة الذي إذا انقطع، انهار كل شيء. فحين تتوافر المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، تضيق المساحة التي تنمو فيها الشائعات، ويتراجع تأثيرها مهما بلغت سرعة انتشارها. أما حين يغيب الوضوح، فإن الفراغ يمتلئ بالتأويلات والشائعات والروايات المتناقضة، عندها تختلط الحقيقة بالوهم، ويصبح تشكيل الوعي مهمة تتولاها الشائعة بدلًا من المعلومة. نشر بموقع الحوار المتمدن 14 يونيو 2026

كيف تُقدَّم المرأة في السباق الانتخابي؟

كيف تُقدَّم المرأة في السباق الانتخابي؟

 في كل موسم انتخابي، تتكرر الأسئلة القديمة حول مشاركة النساء في الحياة السياسية المصرية. لكن هناك سؤالًا أهم يستحق التوقف أمامه: كيف يرسم الإعلام صورة المرأة المرشحة؟ وهل تحصل فعلًا على فرصة لعرض أفكارها وبرنامجها، أم يتم تقديمها فقط كحالة استثنائية أو واجهة رمزية؟

من المفترض أن يكون الإعلام وسيلة لعرض الرؤى السياسية ومناقشة البرامج، لكنه في كثير من الأحيان يتعامل مع المرأة المرشحة على أنها مجرد "ظاهرة" تستحق الانتباه، لا كشخصية سياسية تطرح أفكارًا ومواقف.

فبعض وسائل الإعلام ما زالت أسيرة للنمط الاستعراضي أكثر من مضمون ما تطرحه، مما يُفقد التغطية معناها السياسي الحقيقي، ويحجب عن الجمهور فرصة التعرف على المرشحة بصفتها فاعلة في المجال العام، لا مجرد حالة لافتة للنظر.

هذا الأسلوب في التناول الإعلامي لا يمكن اعتباره مجرد تجاوز مهني، بل هو انعكاس لثقافة إعلامية تضع المرأة تحت المجهر، ليس لتقييم كفاءتها أو أفكارها، بل للحكم على مدى "قبولها" اجتماعيًا، ومدى توافقها مع الصورة النمطية المفروضة عن المرأة .

ولا أنكر أنه في السنوات الأخيرة، أصبحت وسائل الإعلام أكثر حضورًا في متابعة مشاركة النساء في الانتخابات، وأُفردت مساحات جيدة لتسليط الضوء على بعض النماذج النسائية المؤثرة، خاصة مع بروز عدد من النماذج النسائية صاحبات الحضور السياسي القوي، غير أن طريقة التناول لا تزال في أحيان كثيرة تميل إلى التركيز على الجوانب الشكلية أو الشخصية، أو "غرابة" التجربة، على حساب تحليل الأفكار والبرامج الانتخابية.

وقد لا يكون ذلك نابعًا من نية سيئة أو تمييز مباشر، بل في أحيان كثيرة نتيجة ثقافة إعلامية تُفضل "القصة اللافتة" على الرؤية المتماسكة. وهنا يظهر التحدي: كيف يمكن تقديم المرشحة كصاحبة مشروع سياسي متكامل، وليس فقط كـ"حالة" جذابة للعرض الإعلامي؟

حين يُدار الإعلام بوعي مهني، يمكن أن يتحول إلى أداة قوية لدعم المشاركة السياسية للنساء. فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو صانع للرأي العام، ومؤثر مباشر في تشكيل صورة المرأة في المجال العام، سواء ناخبة أو مرشحة أو قائدة.

في المقابل، حين يفقد الإعلام بوصلته، ويتحول إلى منبر لتكريس الصور النمطية يصبح جزءًا من المشكلة، فالإعلام الذي يُظهر المرأة السياسية كديكور، أو يستضيفها للزينة لا للفكرة، يساهم فعليًا في تهميشها، حتى لو فعل ذلك بنبرة ناعمة.

ما نحتاجه هو إعلام يفتح مساحات جادة للمرشحات، يناقش أفكارهن، يعرض تجاربهن لا صورهن فقط، ويُعامل وجودهن في السياسة كحق، لا كاستثناء.

وهذا يتطلب إرادة داخل المؤسسات الإعلامية، ورقابة مجتمعية ترفض الخطاب السطحي أو المشوِّه، وتطالب بإعلام أكثر مسؤولية.

لكن يجب الاعتراف بأن صورة المرشحة ليست مسؤولية الإعلام وحده. فالأحزاب السياسية أيضًا تتحمّل جزءًا كبيرًا من هذه الصورة، لأنها المصدر الأول الذي يغذي الإعلام بالمضمون، ويختار من يُقدم للرأي العام، وكيف.

حين تدفع الأحزاب بمرشحات غير مؤهلات لمجرد استكمال "كوتا"، أو تُقصر دعمها الإعلامي واللوجستي على المرشحين الرجال، فهي تساهم في تكريس الهامشية، وتدفع الإعلام – عن وعي أو عن جهل – لتكرار نفس النمط.

وحين لا تُدرِج المرأة في خطاباتها السياسية كفاعل أساسي، ولا تُظهرها في مؤتمراتها وبرامجها ومفاوضاتها، فإن أي تغطية إعلامية لاحقة ستعكس هذا الغياب، أو ستملؤه بصور سطحية.

والعكس صحيح: عندما تقدم الأحزاب مرشحات متمكنات، وتدعمهن بخطاب واضح، وتمنحهن منصات عادلة، فإن الإعلام يجد نفسه مضطرًا لتغطية جادة ومسؤولة، لأن المادة الجيدة تفرض نفسها.

لكي تصبح المشاركة السياسية للنساء حقيقية، يجب أن يعمل الإعلام والأحزاب معًا على كسر الصور النمطية، وتوفير منصات آمنة، ومساحات جادة، تسمح للمرأة بأن تُعرّف نفسها بنفسها، لا أن تُقدَّم من خلال عدسة الآخرين.

لذلك، فإن إصلاح صورة المرأة في الإعلام لا يبدأ من الكاميرا، بل من خلف الكواليس: من ترشيحات حقيقية، ودعم سياسي واضح، وتدريب داخلي يمنح النساء الأدوات اللازمة للظهور بثقة ومعرفة.

وحين يحدث ذلك، لن نكون فقط أمام مشهد انتخابي أكثر عدلًا، بل أمام مجتمع أكثر وعيًا بما يعنيه التمثيل، وما تملكه النساء من قدرة على التغيير.

ما نحتاجه اليوم هو إعلام أكثر مسؤولية، وأحزاب أكثر التزامًا، ومجتمع أكثر وعيًا بأن المرأة السياسية ليست استثناءً، بل فاعل أصيل في صياغة السياسات وصناعة المستقبل. عندها فقط، لن تعود مشاركة المرأة في الانتخابات موضع دهشة أو تساؤل، بل حقيقة طبيعية في مشهد ديمقراطي متكامل.

نشر في موقع " فكر تاني" بتاريخ:16 يونيو 2025

الاثنين، 15 يونيو 2026

الطيبات: نظام غذاء أم نمط تفكير؟

 

الطيبات: نظام غذاء أم نمط تفكير؟

أثار الجدل الدائر حول ما يُعرف بـ"نظام الطيبات" الذي روّج له دكتور ضياء العوضي (رحمه الله)  موجة واسعة من النقاش بين مؤيد يرى فيه طريقًا للعلاج الشامل للأمراض المزمنة مع الاستغناء عن الدواء،  ومعارض يعتبره نموذجًا جديدًا لانتشار الفكر غير العلمي الذي يستغل احتياج الناس للأمل والشفاء السريع. وبين الطرفين، تبرز قضية أعمق من مجرد خلاف حول شخص أو نظام غذائي، وهي أزمة التفكير السائد في المجتمع، وكيف أصبح كثيرون أكثر قابلية لتصديق الطرح الخرافي من الاحتكام إلى المنهج العلمي.

المشكلة ليست فيما طرحه  دكتور العوضي، ولا في تفاصيل نظامه الغذائي، المشكلة في  بيئة كاملة تسمح بازدهار هذا النوع من الخطاب، أسلوب تفكير يسود المجتمع، أقل ما يقال عنه أنه لا ينتمي لأي منطق.  

مجتمعاتنا ما زالت تعاني من ضعف ثقافة السؤال والنقد، حيث يتم استقبال الأفكار غالبًا بدافع الثقة في الشخص لا في الدليل، ومن سلطة الكاريزما لا منطق البرهان. حين يتحدث شخص بثقة، ويرتدي عباءة “الخبير”، ويقدم وعودًا جذابة بالشفاء أو النجاح أو تغيير الحياة، يصبح من السهل أن يلتف حوله الناس، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والنفسية والصحية التي تجعل الجميع يبحث عن طوق نجاة سريع.

يمكن القول أن التفكير الخرافي هوالنمط السائد في مجتمعاتنا، أو على الأقل هو الأعلى صوتا، تفكير يقوم على تصديق الادعاءات دون دليل، وربط النتائج بأسباب غير مثبتة علميًا، والاعتماد على الانطباعات الشخصية والتجارب الفردية باعتبارها حقائق مطلقة. يميل أصحابه إلى البحث عن إجابات سهلة وسريعة، حتى لو كانت بعيدة عن المنطق، بدلًا من الاحتكام إلى السؤال والتحقق والبحث العلمي. في هذا النوع من التفكير، تتحول المصادفة إلى قاعدة، والتجربة الفردية إلى برهان، ويصبح الإحساس الشخصي أقوى من الحقيقة الموثقة.، بل يشمل أيضًا تصديق أي ادعاء بلا دليل، وربط النتائج بأسباب غير مثبتة، والاعتماد على التجارب الفردية باعتبارها حقائق مطلقة. فحين يقول شخص إنه شُفي بسبب وصفة معينة، هذا لا يكفي علميًا لإثبات فعاليتها، لكن في الوعي الشعبي تتحول القصة الشخصية إلى برهان قاطع.

هنا تظهر أهمية  مواجهة الخرافة  بالتفكير العلمي، الذي لا يقوم على الإنكار أو السخرية، بل على السؤال: ما الدليل؟ هل هناك أبحاث موثقة؟ هل التجربة قابلة للتكرار؟ هل النتائج خضعت لمراجعة علمية مستقلة؟ التفكير العلمي لا يعادي الإيمان ولا الأمل، لكنه يرفض استبدال الحقائق بالرغبات، ويرفض أن تتحول المعاناة الإنسانية إلى سوق مفتوح للوهم.

الأخطر أن انتشار هذا النمط من التفكير لا يقتصر على غير المتعلمين أو حتى أنصاف المتعلمين، بل يمتد أحيانًا إلى أصحاب الشهادات العليا والنخب المهنية والثقافية،  فأسلوب التفكير لا يتعلق بحجم المعرفة بقدر ما يرتبط بطريقة استخدامها ومنهج التعامل مع المعلومات.

والتعليم عندنا لا يعني بالضرورة امتلاك العقل النقدي، كما أن الثقافة لا تضمن التحرر من الانحيازات والرغبة في تصديق ما يوافق الهوى  و يمنح شعورًا سريعًا بالطمأنينة.

 كما أن  هذا النمط من التفكير  يمتد إلى السياسة والاجتماع والاقتصاد، حيث تنتشر الشائعات، وتُبنى المواقف على الانطباعات لا المعلومات، ويصبح الرأي الأعلى صوتًا هو الأكثر تأثيرًا، لا الأكثر صحة

نحن لا نحتاج فقط إلى فضح النماذج غير العلمية، بل إلى بناء ثقافة جديدة تُعلّم الناس كيف يفكرون، دون مصادرة نتاج فكرهم.

 نحتاج إلى تعليم يعزز النقد لا الحفظ، وإعلام يحترم عقل الجمهور بدلًا من استغلال خوفه، ومؤسسات علمية أكثر حضورًا في المجال العام.

قضية دكتور العوضي ليست قضية فرد، بل مرآة لمجتمع لا يزال يصارع بين منطق العقل وإغراء الوهم. والانتصار الحقيقي لن يكون بإسقاط شخص، بل بترسيخ وعي يجعل الناس أقل قابلية للخداع، وأكثر قدرة على التمييز بين العلم والادعاء، بين الحقيقة والخرافة ا

 تم النشر في موقع"آخر الكلام" 13 إبريل 2026

السبت، 3 يونيو 2017

ديني لنفسي ودين الناس للناس


أعلم أن صورتي المرفقة بالمقال ستثير دهشة كل من يعرفني
فلأول مرة منذ حوالي 32 عاما أظهر بدون "طرحة" على رأسي
وهذا بالطبع أمر شديد الخصوصية وحديثي عنه ليس تبريرا لكنه للتوضيح فقط.
في عام 1984 وكنت وقتها في الصف الثاني الثانوي قررت ارتداء "الحجاب" كان قرارا غريبا على الأسرة والعائلة فلم يكن "الحجاب" قد انتشر بعد في المجتمع المصري .
واجهتني اعتراضات لكني أصررت على موقفي فحقيقة لم أقتنع بالنصائح التي قيلت لي بأن أنتظر حتى أتزوج أو أدخل الجامعة بل زادتني اصرارا وتمسكا بموقفي ،فمن يريد الارتباط بي لابد أن يأتي لشخصي وليس لشَعري ،أما الجامعة فهي مكان للعلم وليس لاستعراض الملابس.
ابي –اطال الله عمره- احترم رغبتي كعادته في التعامل معي ،لكنه طالبني بالا أنفذ قراري الا بعد اقتناع تام حتى لا أرجع عنه .
كنت مقتنعة تماما بأن ما أفعله أمر الهي وأن الأمر عندما يتعلق بالفرض الديني فلا مجال للاختيار .
لكن هل هو حقا أمر سماوي ؟
سؤال عاد الى ذهني بعد سنوات وكانت اجابته عندي ان الله الخالق العظيم الذي لم نحط ولن نحيط علما بمخلوقاته لن يصدر أوامره بتغطية الرأس أو اخفاء الشعر.
الأوامر الالهية أعظم وأكثر قدسية من أن نخضعها لغرائزنا وأهوائنا.
ملابسنا جزء من ثقافتنا وتعاملنا مع البيئة والمجتمع ،وهي أمور تتغير وتختلف تبعا للزمان والمكان ،بينما الأوامر السماوية قوانين مطلقة تحكم علاقة الانسان بجنسه وبغيره من المخلوقات وبالكون كله
القرءان أعظم من أن يحدثنا عن طول الجلباب وفتحة الصدر وغطاء الرأس.
نحن نخضع الآيات لمفاهيمنا بدلا من أن نرقى لنستوعب رسالة السماء لنا .
ارتدوا ما شئتم ...غطوا رؤوسكم أو اكشفوها ...لكن لا تزعموا انها أوامر الله.
لن أغطي رأسي وهذا شأني ، لكني لا أستنكر أن يغطي الآخرون رؤوسهم (وهو مايفعله الرجال والنساء في شبه الجزيرة العربية).
قناعتي شأني وحدي وقناعات الآخرين شأنهم .
لكنها تظل قناعة وليست دينا.
وأخيرا أقول ماقاله الحلاج: ديني لنفسي ودين الناس للناس

مجانية التعليم ليست ناصرية

من الأخطاء الشائعة في مصر- وما أكثرها- ربط مجانية التعليم بالعهد الناصري ،وبالفكر الاشتراكي بصفة عامة ،رغم أن التاريخ يؤكد أن مجانية التعليم صاحبت النهضة التعليمية التي قامت في عهد محمد علي وأنها استمرت حتى دخول الاحتلال البريطاني مصر عام 1882،ثم عادت الى مصر عام 1944بعد أن قدم  أحمد الهلالي (وزيرالمعارف ) تقريرا الى مجلس النواب عن اصلاح التعليم في مصر - وكان الدكتور طه حسين مستشارا فنيا للوزارة  وقتها- وأكد الهلالي على أهمية أن يكون التعليم حقا لجميع المواطنين ،يجب أن يقوم على المساواة التى هى أساس الديمقراطية التى يكفلها الدستور(دستور 1923): " لأنه ليس من العدالة الاجتماعية أن تكون مهمة الطبقة العاملة أن تكدح وتكدح، وننكر عليها حقها فى التفكير وفى الاستمتاع بنور العلم".
وبالفعل صدرقرار وزاري بتقرير مجانية التعليم الابتدائي عام 1944.
وعندما عرضت وزارة المعارف على الدكتور طه حسين ،بعد فوز الوفد فى انتخابات البرلمان أواخر عام 1949، اشترط اقرار مجانية التعليم الثانوي وقد كان له ما أراد فتم بذلك اقرار مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني .
وقد حاول الدكتور طه حسين أن يجعل التعليم العالي مجانيا أيضا فلم يسمح له ،لكن من يحصل على أكثر من 60% في التوجيهية (الثانوية العامة) كان يعفى من المصروفات الجامعية ويستمر فى هذا إذا حافظ على تقدير لا يقل عن جيد،حتى تم اقرار مجانية التعليم العالي عام 1962.
ومصر ليست استثناءا في هذا المجال انما يشاركها بل ويسبقها فيه غالبية دول العالم ، فكثير من البلاد في شمال أوروبا تمتد مجانية التعليم فيها الى مرحلة الدراسات العليا ، وفي الأرجنتين و النرويج وفنلندا الدراسة الجامعية مجانية حتى للطلاب الأجانب .
وحتى وقتٍ قريب كان التعليم مجانيا للطلاب الأجانب في السويد ثم أصبح قاصرا على الطلاب من بلاد الاتحاد الأوروبي فقط ،وفي الدانمرك أيضا يوجد تعليم مجاني للجميع بل يحصل طلاب التعليم العالي على راتب شهري، وفي الأرجنتين واليونان يقدم التعليم المجاني لجميع المستويات .
وفي البرازيل التعليم مجاني أيضا  وتقدم وزارة التعليم منحا دراسية لدرجات الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه للبرازيليين والمهاجرين الذين يحملون الجنسية البرازيلية.

والأمثلة كثيرة لأنظمة التعليم المجاني في أنحاء العالم ،فالتعليم استثمار للدولة في مواطنيها ،خدمة اجبارية تقدمها الحكومات وحق من حقوق المواطن لايمكن التنازل عنه .

نشر في موقع الطريق بتاريخ 19 مارس 2017

ماليش في السياسة



اعذروني، مش حاتكلم في السياسة .....مش حاكتب عن السياسة ....لأني في الحقيقة مش مهتمة بالسياسة

مش مهتمة بالحكومة ومين الوزير اللي اتغير ،مين جه ومين راح ومين حلف اليمين ...مين صادق ومين كاذب

ماليش علاقة بمجلس الشعب مين كسب ومين خسر ومين حيعيد

ولا بالأحزاب :لا اليميني ولا اليساري ولا الديني ولا العلماني

عايزين يغيروا الدستور ؟ يغيروه أو حتى يلغوه أكيد مش حيفرق عندي

مش مهتمة بانتخابات المحليات ولا القانون اللي حينظمها 

أسرتي الصغيرة أهم ،عايزة ولادي يتعلموا كويس ،يدخلوا مدارس تعلمهم صح ، مدارس مصرية أقدر على مصاريفها ،ومن غير دروس خصوصية

عايزاهم يدخلوا كليات يتعلموا فيها مش ياخدوا منها شهادة

عايزاهم لما يتخرجوا يشتغلوا في أماكن تحترم تخصصهم وقدراتهم 

"مش عايزة أخاف عليهم من صاحب منصب أو نفوذ أو"حالة فردية 

مش عايزاهم يدفعوا رشوة علشان ياخدوا حقهم

عايزاهم يشربوا ميه نظيفة وياكلوا أكل صحي

واذا مرضوا يلاقواعلاج حقيقي وفي حدود امكانياتهم 

مش عايزاهم يخافوا يدخلوا قسم شرطة أو يقفوا قدام قاضي

....باختصار عايزة حقي وحقهم

نشر بموقع الطريق 4 يونيو 2016